تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا يهدد استقرارا هشا

المشهد في جنوب سوريا يبدو كلوحة متشابكة من التوترات: غارات خارجية، تحديات أمنية داخلية، وتراجع في فعالية الأطر الدولية المنظمة.

دمشق - في تطور يعكس تصاعد التوتر الإقليمي، أدانت سوريا بشدة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بنى تحتية عسكرية في جنوب البلاد، معتبرة أنها انتهاك صارخ للسيادة ومحاولة متعمدة لزعزعة الأمن والاستقرار، في وقت تتداخل فيه الضربات الخارجية مع تحديات داخلية معقدة.

وأعلنت وزارة الخارجية السورية أن الهجوم الإسرائيلي يمثل "اعتداء سافرا على سيادة سوريا وسلامة أراضيها"، مؤكدة أن ما جرى يأتي ضمن سياسة تصعيد مستمرة تنتهجها إسرائيل، تحت "ذرائع واهية وحجج مصطنعة". وحمّلت دمشق إسرائيل المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد، داعية المجتمع الدولي، خاصة مجلس الأمن، إلى التدخل لوقف ما وصفته بسياسات العدوان المتكررة.

في المقابل، برر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الضربات بأنها رد مباشر على ما قال إنه استهداف لمواطنين دروز في محافظة السويداء، مشيرا إلى أن القرار جاء بتوجيهات مشتركة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، غير أن دمشق رفضت هذه الرواية، مؤكدة أنها تضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري، وأن استخدام ورقة "حماية الدروز" ليس سوى مبرر للتدخل في الشأن الداخلي.

ويأتي هذا التصعيد في سياق تاريخي متوتر، حيث لا تزال إسرائيل تحتل معظم هضبة الجولان منذ عام 1967، كما وسعت سيطرتها مؤخرا على مناطق إضافية مستغلة التطورات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. ومنذ ذلك الحين، تتكرر الانتهاكات الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية، عبر قصف مدفعي وتوغلات برية وعمليات اعتقال، خاصة في ريفي القنيطرة ودرعا.

ورغم إعلان دمشق التزامها باتفاقية فصل القوات لعام 1974، فإن إسرائيل أعلنت عمليا التخلي عن هذا الإطار بعد التغيرات السياسية في سوريا، ما أدى إلى تآكل آليات ضبط الاشتباك التقليدية. كما لم تفلح آلية الاتصال التي أُعلن عنها في يناير/كانون الثاني الماضي، بإشراف أميركي، في الحد من التصعيد أو بناء مسار مستدام لخفض التوتر.

وبالتوازي مع هذه التطورات، تواجه السلطات السورية تحديات أمنية داخلية متزايدة، خاصة في محافظة السويداء، حيث أعلنت وزارة الداخلية إحباط محاولة تهريب أسلحة وذخائر كانت موجهة لتنفيذ "أعمال عدوانية"، موضحة أن العملية جاءت بعد رصد تحركات مشبوهة لمجموعات وصفتها بـ"الخارجة عن القانون"، ما أدى إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من عناصرها، إضافة إلى توقيف آخرين وضبط كميات من الأسلحة.

وتعكس هذه الحادثة هشاشة الوضع الأمني في الجنوب، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ يوليو/تموز 2025، والذي أعقب مواجهات دامية بين مجموعات محلية. وتشير السلطات إلى أن بعض الفصائل لا تزال تخرق الاتفاق، ما يعيق جهود فرض الاستقرار ويزيد من تعقيد المشهد.

وترى دمشق أن استمرار الضربات الإسرائيلية، بالتزامن مع التحديات الداخلية، يحد من قدرتها على إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار، كما يقوض محاولات جذب الاستثمارات وتحسين الوضع الاقتصادي، فكل تصعيد عسكري يضيف طبقة جديدة من الضغوط على بلد يسعى للخروج من سنوات طويلة من الصراع.

ويبرز المشهد في جنوب سوريا كلوحة متشابكة من التوترات: غارات خارجية، تحديات أمنية داخلية، وتراجع في فعالية الأطر الدولية المنظمة. ومع غياب مؤشرات على تهدئة قريبة، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من التصعيد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السيادة والاستقرار، في معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة.