واشنطن العالقة في مأزق تمويل الحرب تُخطط لعملية برية في إيران

في ظل المشهد المشحون، تبدو جزيرة خرج ومضيق هرمز كأنهما قطعتا شطرنج في لعبة كبرى، حيث كل حركة قد تعيد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط.

واشنطن - تكشف التقارير الإعلامية الأميركية عن فصل جديد من التصعيد في الحرب الدائرة ضد إيران، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الضربات الجوية أو العمليات البحرية، بل امتد إلى إعداد خطط مفصلة لعملية برية محتملة. وهذه الخطط، التي يعمل عليها البنتاغون، تعكس تحولاً استراتيجياً خطيراً قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة النطاق، تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً وكلفة.

وبحسب ما نقلته شبكة 'سي بي إس' عن مصادر مطلعة، فإن وزارة الدفاع الأميركية تدرس خيارات تشمل نشر قوات برية في المنطقة، مع التركيز على أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية، مثل السيطرة على جزيرة خرج، التي تُعد شرياناً رئيسياً لصادرات النفط الإيرانية. والسيطرة على هذه الجزيرة أو تعطيلها عملياً تعني خنق القدرة الإيرانية على تصدير النفط، وهو ما يوازي فرض حصار اقتصادي مباشر بوسائل عسكرية.

و لا تنفصل هذه السيناريوهات عن السياق الأوسع للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ أواخر فبراير/شباط، والتي أدت إلى مقتل مئات الأشخاص، بينهم قيادات بارزة، فيما تواصل طهران الرد عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب استهداف ما تصفه بمصالح أميركية في المنطقة، ما يعكس نمطاً من "الحرب متعددة الجبهات".

ورغم خطورة هذه التسريبات، حرصت الإدارة الأميركية على التهدئة العلنية، فقد أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن إعداد مثل هذه الخطط يدخل ضمن الواجبات الروتينية للبنتاغون، مشددة على أن الرئيس دونالد ترامب لم يتخذ قراراً بنشر قوات برية، ولا يخطط حالياً للقيام بذلك، غير أن هذا النفي لا يلغي دلالة وجود هذه الخطط، بل يعكس سياسة "الردع عبر الاحتمال"، حيث يُستخدم التلويح بالتصعيد كأداة ضغط سياسية وعسكرية.

وتكشف قراءة هذا التطور عن ثلاثة مسارات محتملة. أولها، أن تكون هذه الخطط جزءاً من استراتيجية ردع تهدف إلى دفع إيران لتقديم تنازلات، سواء في الملف العسكري أو في مسألة الملاحة في مضيق هرمز، فالتلويح بعملية برية، بما تحمله من كلفة بشرية ومادية، يرفع سقف التهديد إلى مستوى غير مسبوق.

ويتمثل المسار الثاني في احتمال تنفيذ عمليات محدودة النطاق، مثل السيطرة المؤقتة على مواقع استراتيجية أو تنفيذ إنزالات عسكرية خاطفة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وهذا النوع من العمليات قد يحقق أهدافاً تكتيكية سريعة، لكنه يحمل مخاطر الرد الإيراني المباشر، خاصة في ظل تعهد طهران بالرد على أي استهداف لبنيتها التحتية.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في الانزلاق إلى مواجهة برية واسعة، قد تشمل حصاراً بحرياً أو عمليات داخل الأراضي الإيرانية. وهذا السيناريو، إن تحقق، سيحوّل الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح، مع تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية، خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتعكس هذه التسريبات لحظة مفصلية في مسار الحرب، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، فبينما تحاول واشنطن إبقاء خياراتها مفتوحة، تدرك أن أي خطوة برية قد تشعل المنطقة بأكملها. وفي هذا المشهد المشحون، تبدو جزيرة خرج ومضيق هرمز كأنهما قطعتا شطرنج في لعبة كبرى، حيث كل حركة قد تعيد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط.

وتبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تسير على حبل مشدود فوق بركان سياسي وعسكري، حيث تتقاطع أزمة تمويل الحرب مع تصاعد الحديث عن خيارات أكثر خطورة، من بينها العملية البرية ضد إيران. وهذا التناقض بين القيود المالية والتصعيد العسكري يكشف عن مأزق استراتيجي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة بسبب الحاجة إلى تمويلات إضافية للحرب المستمرة منذ أواخر فبراير/شباط، فتكاليف العمليات العسكرية، سواء الجوية أو البحرية، بدأت تثقل كاهل الميزانية، ما يفتح الباب أمام نقاشات حادة داخل الكونغرس حول جدوى الاستمرار في هذا المسار. ومع تزايد المخاوف من استنزاف مالي طويل الأمد، يصبح تمرير أي حزم تمويل جديدة أكثر صعوبة، خاصة في ظل انقسامات سياسية حادة.

لكن في المقابل، لا يبدو أن المؤسسة العسكرية، ممثلة في البنتاغون، تخفف من وتيرة استعداداتها، بل على العكس، توسّع دائرة الخيارات المطروحة، فالتقارير تشير إلى إعداد خطط مفصلة لعملية برية، تشمل سيناريوهات مثل السيطرة على جزيرة خرج أو فرض حصار فعلي على إيران، وهي خطوات تحمل كلفة مالية وعسكرية أكبر بكثير من العمليات الحالية.

وهذا التوازي بين العجز عن تأمين التمويل الكافي، والتفكير في تصعيد نوعي، يعكس مفارقة لافتة، فمن جهة، تسعى الإدارة إلى احتواء الانتقادات الداخلية عبر التأكيد أن لا قرار بنشر قوات برية، وهو ما شددت عليه تصريحات مرتبطة بالرئيس دونالد ترامب ومن جهة أخرى، فإن مجرد إعداد هذه الخطط يرسل إشارات قوية بأن واشنطن تدرس بجدية رفع سقف المواجهة.

ويوحي هذا المشهد بأن الولايات المتحدة تحاول تحقيق توازن دقيق بين الردع والتجنب، فهي تدرك أن التلويح بعملية برية قد يشكل ورقة ضغط فعالة على طهران، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، لكن في الوقت ذاته، فإن أي انخراط بري فعلي قد يجرها إلى حرب طويلة ومكلفة، تعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تنتهِ بسهولة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الداخل الأميركي، بل تمتد إلى الحلفاء أيضاً، فالدول الأوروبية وكذلك شركاء واشنطن في المنطقة، يراقبون بحذر هذا التصعيد، مدركين أن أي توسع في العمليات سيحمل تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصاً مع استمرار اضطراب أسواق النفط وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وتبدو واشنطن عالقة في معادلة معقدة: حرب تتطلب المزيد من الأموال، وبيئة سياسية لا تحتمل إنفاقاً إضافياً بسهولة، وخيارات عسكرية تتجه نحو مزيد من التصعيد بدل الانكماش. وبين هذه العوامل، تتحول الخطط البرية إلى سيف معلّق في الهواء، لا يُستخدم بعد، لكنه يثقل المشهد بظلاله.

وفي لعبة الأمم هذه، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ عملية برية، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّل تبعاتها، مالياً وسياسياً، قبل أن تكون عسكرياً.