رائدة السبع تعيد تدوير الهموم بالتجاوز عبر 'مسرات عظيمة'
في 8 مارس/اذار من عام 2026، أهدتني الكاتبة السعودية رائدة السبع كتابها "مسرات عظيمة"، الصادر عن دار نضد للنشر والتوزيع، وبينما كان العالم يحتفل بيوم المرأة العالمي، احتفلت السبع على طريقتها الخاصة مساء ذلك اليوم، بتقديم ندوة بعنوان المرأة وصناعة الضوء الثقافي" في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، حضرت الندوة وقرأت الكتاب، والتقيت الكاتبة غير مرة سواء في مناسبات ثقافية أو عبر قراءة عمودها في صحيفة اليوم، لأقف على مشروعها في صناعة السعادة لمرضاها وقراءها من كل حدب وصوب، فهذه الممرضة البارعة التي تعمل حاليًا مشرفة غرفة عمليات القلب بواحد من المراكز الطبية في السعودية، انحازت لذاتها وآمنت بالسعادة والبهجة والضحك أسلوب حياة ووسيلة للتداوي والتعافي، للتغلب على أشد لحظات الألم والمرض والحزن والكأبة والخذلان والانكسار.
السبع لا تقدم في كتابها نكات تدفعك للضحك، ولا تستدعي من الذاكرة قفشات للترفيه والترويح عن النفس، ولكنها تقدم فكرًا بسيطًا في عمقه، عميقًا في قيمته وأثره، ممتد المفعول كخلاصة تجارب حياة مفعمة بالانتصارات والانكسارات، الأسفار والمدن والبلدان والشعوب، اللهجات والألسن والعادات، وهذه التجارب أيضًا ليست درسًا أو دورة تدريبية من دورات التنمية الذاتية ولكنها أسلوب حياة اختبرته الكاتبة وأمنت به وانحازت إليه، وحين قدمته بين دفتي كتاب لم تشأ ولم ترغب في أن تفرضه على القراء فرضًا، وإنما شاركت بعض أفكارها، وبمساحة الحرية التي تؤمن بها تركت الاختيار لك أيها القارئ.
سبعة أشخاص كان لهم الأثر الأكبر في ميلاد "نهج السعادة" وتعزيز البهجة عند الكاتبة، والهدف استعادة التوازن الداخلي للإنسان، ولهؤلاء السبعة كل الامتنان في خروج هذا الكتاب صغير الحجم، بالغ التكثيف 122 صفحة من القطع المتوسط، وهم: الوالدان "أحمد ومكية" والعم حسن، والأبناء سراج ومحمد وجود وصاحبة الكتاب والتجارب الرائدة، رائدة السبع.
تقول الكاتبة: "كانت فكرة الترويج للسعادة والفرح تراودني كثيرا، لأنني شخصيا استفدت كثيرًا من هذه الفكرة، وهذا ما دعاني للتفكير لماذا لا أبدأ في مشاركة هذه الهبة، وأخبر الناس عن هذا السر العظيم والسعادة الكبرى التي قمت بتجربتها على مدى سنوات طويلة، قد يكون هناك أحد الأشخاص الذين تهاونوا في فهم مشاعرهم وأهملوا صوت أرواحهم لا يعلمون بعد عن أهمية الضحك والبهجة".
تؤمن الكاتبة بالمثل الصيني الشهير: "إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانًا"، ولأنها دائمة الابتسام يظن من لا يعرفها أنها لا تعرف المشكلات أو أن المشكلات لم تصادفها في حياتها أبدًا، وهذا تصور بالطبع سطحي فلا حياة دون ملح وملح الحياة مشكلاتها وتحدياتها وعثراتها وانكساراتها التي تتجاوزها المؤلفة بابتسامة وضحك من أعماق القلب، فالضحك كما تقول: وسيلة تواصل، بل هو لغة مشتركة لا تنفصل عن تكوين المجتمع، ولطالما دافعت عن الابتسام والمبتسمين وهاجمت التكشير والمكشرين، شخصيًا أؤمن بأن يومًا يخلو من الضحك لا يحسب من الحياة، فالضحك ضرورة كالأكل والشرب، وفي "ساعة بهجة" نحن نتعلم كيف أن الضحك أجمل تجربة بشرية للتداوي والتعافي، وكيف أن للضحك فوائد كثيرة كإزالة القلق وتخفيف نوبات الاكتئاب والمساعدة في حرق السعرات الحرارية.
الضحك مُعدٍ، وهو أحد أهم الركائز في العلاقات البشرية لأننا كبشر تجمعنا العاطفة، ومن الطبيعي أن أفضل البقاء مع شخص استأنس بصحبته ونتبادل الضحكات بدلا من صحبة الثقلاء. وهنا يطرح الكتاب السؤال البسيط الصادم: هل تذكر آخر مرة ضحكت فيها من كل قلبك؟ لو تأملت لبعض الوقت في جوهر السؤال وحاولت أن تجيب عنه بصدق، فستعرف كم يمثل الضحك من تفاصيل يومك ومجمل حياتك، الضحك الذي يملأ القلب وينبع منه الشعور بالبهجة والسعادة والرضا والكفاية، وليس مجرد هز الاكتاف وإظهار الأسنان بينما يحترق القلب لوعة وتشتعل براكين الحزن الغضب والهموم من الداخل.
تحت عنوان: كأنك العيد والباقون أيام، تطرح الكاتبة سؤالًا مهمًا: هل تعرف أحدا يشبه العيد في تفاصيله وملامحه؟ ذلك الشخص الذي تتسلل من ثناياه بهجة صباح العيد؟ هل في حياتك من تشبه دهشتك برؤيته دهشة العيد الأول الذي يحتضنك؟ شخصيًا أرى أن البهجة شيء يستحق القتال من أجله، لذا أحرص كثيرًا على إحاطة نفسي بالأشخاص المبتهجين. ولكن ما هي البهجة؟ وهل هناك تعريف لها؟
وتخلص إلى أن البهجة مشروطة بأفكارنا ومعتقداتنا، وتضيف: شخصيًا أزعم أنني باحثة في كل ما يخص السعادة والبهجة والمتعة، وفي كل يوم أستيقظ وفي رأسي سؤال: ما الذي يجعلني سعيدة هذا اليوم؟ وماذا عنك؟ هل أنت سعيد؟ ولماذا؟
الإجابة متروكة للقارئ ولك باحث عن السعادة.
والسبع كاتبة متميزة، وممرضة فائقة التميز، تطور عملها في مجال التمريض باستمرار، لتحيط مرضاها بالعناية والاهتمام، وتجعل من وجودهم بالمستشفيات والمراكز الصحية أماكن للبهجة؛ تبتكر مسميات أخرى للأمراض، مسميات لا تجدها في كتب ونظريات الطب الحديثة أو القديمة، ولكن يعرفها كل من يحمل في قلبه جينات الإنسانية والحب والتصالح مع النفس، فعيادة "قصور عضلة القلب" هي عندها "عيادة القلب الكسلان"، وعيادة السكر أو السكري هي عيادة "مرضى الحلوين"، ومرض السرطان هو "مرض الخلايا المشاكسة"، وهي بالفعل خلايا يحدث لها نمو شاذ عادة ما ينشأ من خلية مفردة غير طبيعية، تتكاثر بشكل متواصل، نتيجة افتقادها آليات التحكم الطبيعية، وحين اضطرت السبع إلى استخدام نظارة لضرر القراءة دون عدسات على عيونها، قالت بكل ثقة وحب: عينيّ فائقة الجمال، وقد أحببت أن أصنع لهما بروزًا لحمايتها!