إسرائيل تسعى لفرض واقع جغرافي جديد جنوب الليطاني
بيروت - دخل الصراع في جنوب لبنان منعطفاً هو الأخطر منذ عقود، مع بروز ملامح خطة إسرائيلية تهدف إلى إعادة رسم حدود ميدانياً. ولم تعد العمليات تقتصر على الاشتباكات المباشرة، بل انتقلت إلى مرحلة "الهندسة الجغرافية" عبر محاولة عزل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وتحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السكان والنشاط العسكري لحزب الله.
وتجاوزت الضغوط العسكرية الخط الأزرق (الحدود الدولية) لتصل إلى عمق 30 كيلومترا شمالاً، وهي المسافة التي تفصل نهر الليطاني عن الحدود، مما يضع 8 بالمئة من مساحة لبنان في دائرة الاستهداف المباشر.
وأمرت الدولة العبرية في الرابع من مارس/آذار جميع سكان جنوبي نهر الليطاني في لبنان بمغادرة المنطقة، وذلك بعد يومين من دخول جماعة حزب الله في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل. ويلتقي الليطاني بالبحر المتوسط على بعد نحو 30 كيلومترا إلى الشمال من الحدود الإسرائيلية اللبنانية. ويقع نحو ثمانية بالمئة من الأراضي اللبنانية جنوبي النهر.
وأقامت القوات البرية الإسرائيلية تحصينات جديدة جنوبي النهر ودمرت منازل في القرى التي أخلاها سكانها. وتعتبر إسرائيل المنطقة معقلا للجماعة الشيعية المدعومة من إيران، لكن تاريخ الجنوب يشير إلى أنه منطقة متنوعة تضم قرى مسيحية وسنية أيضا.
وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس في 24 مارس/آذار إن إسرائيل دمرت خمسة جسور فوق النهر وإن الجيش "سيسيطر على الجسور المتبقية والمنطقة الأمنية وصولا إلى نهر الليطاني". وأضاف أن القوات ستبقى هناك طالما استمر "الإرهاب والصواريخ".
وقال المتحدث باسم الجيش إيفي ديفرين في اليوم نفسه إن الجيش يعتبر نهر الليطاني "الخط الأمني الشمالي"، مضيفا أن إسرائيل "توسع عملياتها البرية بهدف منع إطلاق النار المباشر على التجمعات السكنية في الشمال".
وفي أول تصريحاته بهذا الخصوص، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 25 مارس/آذار إن إسرائيل "توسع هذا الشريط الأمني لدرء تهديد الأسلحة المضادة للمركبات المدرعة عن بلداتنا وأراضينا"، مضيفا "نحن ببساطة ننشئ منطقة عازلة أكبر".
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه حشد آلاف الجنود في المنطقة الحدودية، وإن القوات نفذت ما وصفها بعمليات توغل محدودة داخل الأراضي اللبنانية. ولم يقل ما إذا كان يخطط لعمليات برية على نطاق أوسع أو يعلن موعدا لذلك.
ماذا قال لبنان؟
وقالت جماعة حزب الله يوم الثلاثاء إنها ستقاتل لمنع القوات الإسرائيلية من احتلال الجنوب، واصفة مثل هذه الخطوة بأنها "تهديد وجودي" للبنان.
وأطلقت الجماعة صواريخ من مواقع شمالي وجنوبي نهر الليطاني هذا الشهر. وتسببت هجماتها في أضرار وإصابات في شمال إسرائيل، فضلا عن مقتل شخص. وقال الجيش الإسرائيلي إن ثلاثة جنود إسرائيليين قتلوا في جنوب لبنان منذ الثاني من مارس/آذار، وقتلت أيضا امرأة في شمال إسرائيل بصاروخ أطلقته الجماعة خلال تلك الفترة.
وتشتبك قوات إسرائيل مع حزب الله في جنوب لبنان، كما قصفت طائراتها الحربية الجنوب والشرق والعاصمة بيروت بقوة. وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن أكثر من مليون شخص نزحوا، ولقي أكثر من 1000 شخص مصرعهم، بينهم أكثر من 120 طفلا و80 امرأة و40 من العاملين في المجال الطبي. ولا تفرق بيانات الوزارة بين المدنيين والمسلحين.
ومن بين المدنيين اللبنانيين الذين يخشون من أن يجعل احتلال جنوب لبنان العاصمة بيروت في مرمى ضربات الجيش الإسرائيلي شهيرة أحمد دبدوب (61 عاما)، والتي نزحت بسبب الغارات الإسرائيلية. وقالت لرويترز في مركز للنازحين بالعاصمة "هذا هو ما يخيف.. إذا استولوا على نهر الليطاني، فسيأتون إلى هنا بعد ذلك".
واجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان عدة مرات على مدى عقود. ففي عام 1978، توغلت في الجنوب وأقامت منطقة احتلال صغيرة في عملية ضد المقاتلين الفلسطينيين بعد هجوم مسلح بالقرب من تل أبيب. ودعمت إسرائيل ميليشيا مسيحية محلية تسمى جيش لبنان الجنوبي.
وبعد أربع سنوات، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان وصولا إلى بيروت في هجوم أعقب تبادل إطلاق النار على الحدود. وانسحبت من وسط لبنان في عام 1983 لكنها أبقت قواتها في الجنوب.
وفي عام 1985، أنشأت إسرائيل منطقة احتلال أوسع في جنوب لبنان، بعمق حوالي 15 كيلومترا، وسيطرت على المنطقة بمساعدة ميليشيا جيش لبنان الجنوبي.
وانسحبت إسرائيل من الجنوب في عام 2000، بعد هجمات متواصلة شنتها جماعة حزب الله على المواقع العسكرية الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة، منهية بذلك 22 عاما من الاحتلال.
وفي عام 2006، عبر مقاتلو الحزب الحدود إلى إسرائيل، واختطفوا جنديين إسرائيليين وقتلوا آخرين، مما أدى إلى حرب استمرت خمسة أسابيع، وشهدت غارات إسرائيلية مكثفة على معاقل حزب الله والبنية التحتية اللبنانية.
وفي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلق حزب الله الصواريخ على إسرائيل، بعد يوم واحد من الهجمات التي قادتها حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على جنوب إسرائيل والتي أسفرت عن مقتل 1200 شخص في إسرائيل وأشعلت فتيل حرب غزة.
وردت إسرائيل على حزب الله بحملة قصف جوي ودفعت بقوات برية إلى جنوب لبنان مجددا. وبعد وقف إطلاق النار في عام 2024، أبقت تل أبيب قواتها متمركزة على خمسة تلال في جنوب لبنان.
هل تقيم إسرائيل مناطق عازلة في أماكن أخرى؟
في الحرب على غزة، دمرت إسرائيل مساحات شاسعة من القطاع على الحدود لإنشاء منطقة تقول إنها تهدف إلى الدفاع عن المدنيين الإسرائيليين الذين يعيشون قرب القطاع.
وتقول وزارة الصحة في غزة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أودت بحياة أكثر من 71 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين.
ويتهم القادة الإسرائيليون حزب الله بالتخطيط لعمليات توغل منذ سنوات. وفي مايو/أيار 2023، دعا حزب الله وسائل الإعلام لمشاهدة مقاتلي قوة الرضوان وهي قوة النخبة التابعة للجماعة، وهم يحاكون غزوا لإسرائيل.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل تعمل في لبنان وفقا لما سماه "نموذج رفح وبيت حانون"، في إشارة إلى بلدتين في غزة دمرتهما القوات الإسرائيلية بالكامل تقريبا وأفرغتهما من السكان.
واستولت إسرائيل قمة جبل الشيخ الاستراتيجية في جنوب سوريا بعد سقوط الرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024. وطالبت الدولة العبرية القادة الجدد في دمشق بإنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، وشنت عدد من الغارات في جنوب سوريا.