الأقصر تحتفي بالسينما الأفريقية

من قلب معبد الأقصر، مهرجان السينما الأفريقية يفتتح دورته الجديدة حاملا رسائل الفن والهوية في احتفال يجمع نجوم القارة تحت سماء واحدة.

الأقصر (مصر) ـ تتأهب مدينة الأقصر لاحتضان واحدة من أبرز التظاهرات السينمائية في القارة، حيث تنطلق مساء الأحد 29 مارس فعاليات الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، في مشهد يجمع بين سحر المكان وثراء الفن، ويعيد للسينما دورها كجسر حضاري بين الشعوب. وفي قلب هذا الحدث، يقف معبد الأقصر شامخا، شاهدا على تلاقي التاريخ العريق مع الإبداع المعاصر، في احتفال بصري يمزج بين الضوء والصورة، ويحتفي بالهوية الأفريقية في أبهى تجلياتها.

تبدأ مراسم الافتتاح من ضفاف نهر النيل عند الساعة الرابعة عصرا، حيث يستقل الضيوف مراكب ذهبية تنقلهم في رحلة رمزية نحو معبد الأقصر، وكأنهم يعبرون من الحاضر إلى عمق التاريخ. ومع حلول السادسة مساءً، تنطلق فعاليات السجادة الحمراء التي تستمر لمدة ساعة، وسط حضور لافت لنجوم الفن وصناع السينما من مصر ومختلف دول القارة الأفريقية، قبل أن يبدأ الحفل الرسمي في السابعة مساء، وتقدمه الفنانة المصرية ياسمين الهواري بمشاركة الإعلامية السودانية تسنيم رابح.

ويحضر حفل الافتتاح عدد من الشخصيات الرسمية، إلى جانب كوكبة من نجوم الفن المصري، من بينهم الفنان الكبير محمود حميدة، الرئيس الشرفي للمهرجان، والفنان خالد الصاوي، والفنانة ريهام عبد الغفور، والمخرج محمد أمين، وجميعهم من المكرّمين في هذه الدورة. كما تشارك النجمة يسرا في الفعاليات، إلى جانب عدد من الفنانين، منهم حمزة العيلي، بسمة، أحمد فتحي، سلوى محمد علي، صبري فواز، وسيف عبد الرحمن، إضافة إلى مجموعة من الفنانين والإعلاميين والنقاد، فضلًا عن حضور سينمائيين أفارقة بارزين مثل داني كوياتي وجمال سويسي.

ويتولى الفنان هيثم الخميسي الإشراف المسرحي على حفل الافتتاح، إلى جانب وضع الموسيقى والألحان الخاصة به، فيما تتولى المخرجة داليا سالم الإخراج التلفزيوني، على أن يتم بث الحفل مباشرة عبر قناة نايل سينما، في نقل حي يعكس أهمية الحدث ومكانته.

وإلى جانب عروض الأفلام والاحتفاء بالنجوم، يتحول المهرجان إلى منصة فكرية وثقافية، حيث أعلن السيناريست سيد فؤاد، رئيس المهرجان، عن تنظيم النسخة الثانية من ملتقى صناع المهرجانات، بمشاركة ممثلين عن عدد من المهرجانات السينمائية في أفريقيا والعالم العربي، مثل فيسباكو، قرطاج، خريبكة، عنابة، دربن، الجونة، القاهرة، والإسكندرية للفيلم القصير، إلى جانب مشاركة قناة الجزيرة الوثائقية.

ويأتي هذا الملتقى في سياق التحولات الرقمية والتكنولوجية التي يشهدها عالم السينما، حيث يناقش تأثير هذه التحولات على إنتاج الأفلام وبرمجتها وتوزيعها، خاصة في أفريقيا والجنوب العالمي. كما يطرح تساؤلات مهمة حول دور الذكاء الاصطناعي في صناعة السينما، وحدود الإبداع الإنساني في ظل هذه التقنيات الحديثة، وهو ما أكدته المخرجة عزة الحسيني، مديرة المهرجان، التي أشارت إلى أهمية هذه النقاشات في الحفاظ على هوية العمل الفني.

وفي إطار الاحتفاء برموز السينما، أعلن المهرجان عن تكريم أربعة من أبرز الأسماء في السينما الأفريقية والعربية، وهم الفنان خالد الصاوي، والمخرج المغربي جمال سويسي، والمخرج البوركيني داني كوياتي، والمخرج المالي الراحل سليماني سيسيه، الذي يُعد أحد أعمدة السينما الأفريقية.

ويأتي هذا التكريم في سياق تعزيز الروابط الثقافية بين الدول الأفريقية والعالم العربي، وتأكيد وحدة المسار الإبداعي رغم تنوع التجارب.

وتحمل الدورة الخامسة عشرة شعار "يوسف شاهين.. حدوتة مصرية"، احتفاء بمئوية ميلاد المخرج العالمي يوسف شاهين، أحد أبرز رواد السينما العربية. ويتضمن البرنامج الخاص به إصدار كتاب توثيقي عن حياته وأعماله، إلى جانب تنظيم معرض لأفيشات أفلامه وصوره الفوتوغرافية، وعرض عدد من أفلامه المرممة، في محاولة لإعادة تقديم إرثه للأجيال الجديدة.

ويشهد المهرجان تطوير برنامج "نظرة خاصة"، الذي يخصص هذا العام للسينما في جنوب أفريقيا، حيث يتم عرض مجموعة من الأفلام التي تمثل محطات مهمة في تاريخ هذه السينما، إلى جانب إصدار كتاب مرجعي عنها، في خطوة تعكس اهتمام المهرجان بتوسيع آفاق المعرفة السينمائية.

ومنذ انطلاقه عام 2011، سعى مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إلى تحقيق هدف أساسي يتمثل في ربط مصر بعمقها الأفريقي عبر الفن السابع، حيث وفر منصة لعرض الأفلام وتبادل الخبرات بين صناع السينما من مختلف دول القارة. وعلى مدار دوراته السابقة، استطاع المهرجان أن يرسخ مكانته كأحد أهم المهرجانات المتخصصة في السينما الأفريقية، من خلال برامجه المتنوعة التي شملت ورشًا تدريبية وندوات فكرية ومنصات لدعم الإنتاج المشترك.

كما لعبت مدينة الأقصر دواا محوريا في نجاح المهرجان، بما تحمله من رمزية حضارية وتاريخية، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد يعكس عمق الانتماء المشترك بين شعوب القارة. فالمهرجان ليس مجرد تظاهرة فنية، بل هو مساحة للحوار الثقافي والتلاقي الإنساني.

وتستمر فعاليات الدورة الخامسة عشرة حتى الرابع من أبريل، متضمنة عروضًا سينمائية وندوات وورش عمل، إلى جانب مسابقات للأفلام الطويلة والقصيرة وأفلام الشتات، بالإضافة إلى دعم خاص لشباب محافظتي الأقصر وقنا من خلال ورش تدريبية ومسابقة مخصصة لهم.

ويقام المهرجان بتنظيم مؤسسة شباب الفنانين المستقلين، وبرعاية عدد من الجهات الرسمية، إلى جانب دعم مؤسسات ثقافية واقتصادية، ما يعكس أهمية الحدث على المستويين الثقافي والسياحي.

ومع بلوغه عامه الخامس عشر، يواصل مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية تأكيد دوره كمنصة تجمع بين الاحتفاء بالماضي واستشراف المستقبل، وبين دعم المواهب الجديدة وتكريم الرواد، ليبقى شاهدا على قوة السينما كأداة للتواصل والتقارب بين الشعوب، ولغة إنسانية تتجاوز الحدود وتوحد الرؤى.