تقرير أممي يكشف دور الدبيبة في صعود الجماعات المسلحة
طرابلس – كشف تقرير لجنة الخبراء التابعة لـمجلس الأمن الدولي المرتبط بالقرار رقم 2769 (2025) عن تحولات بنيوية عميقة في موازين القوة داخل غرب ليبيا ودور رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة فيها، وهي تحولات لا تتعلق فقط بالبعد العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وشكّل التقرير الأممي وثيقة تظهر تحولات عميقة في بنية السلطة داخل غرب البلاد. فالتقرير لا يكتفي بوصف واقع أمني هش، بل يسلّط الضوء على إعادة هندسة تدريجية لموازين القوة، يقف في قلبها رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة.
وعمل الدبيبة على إعادة ترتيب المشهد في طرابلس ومحيطها، مستفيداً من أدوات الدولة المالية والإدارية. إلا أن تقرير الخبراء يوحي بأن هذه العملية لم تكن مجرد محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، بل تحوّلت إلى سياسة ممنهجة لإعادة توزيع النفوذ بين التشكيلات المسلحة، بما يخدم بقاء السلطة التنفيذية واستقرارها النسبي.
وأوضح التقرير أن العملية التي شهدتها طرابلس في مايو/أيار 2025، وانتهت بمقتل رئيس جهاز دعم الاستقرار عبدالغني الككلي، لم تكن حدثا معزولا، بل جاءت ضمن حملة أوسع استهدفت الجهاز، عبر تحرك منسق لجماعات مسلحة جرى حشدها دعماً للدبيبة.
وأكد التقرير أن العملية نُفذت بتعليمات مباشرة من عبدالحميد الدبيبة بصفته وزير الدفاع، فيما تولى اللواء 444 تنسيق تنفيذها ميدانيا. وهذه العملية لم تؤد إلى استعادة سيادة القانون أو تعزيز مؤسسات الدولة، بل أسفرت عن إعادة تشكيل خريطة الجماعات المسلحة في غرب ليبيا.
وتصاعد نفوذ جماعات مسلحة مرتبطة بمصراتة داخل طرابلس ومؤسسات الدولة، ما أدى إلى توترات متزايدة مع فاعلين آخرين في المنطقة الغربية، وسط تنامي هيمنة قادة هذه الجماعات على مفاصل مهمة.
واعتبر عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، عبر حسابه على موقع فيسبوك أن التقرير "لم يفضح ليبيا أمام العالم، بل كشف لليبيين أنفسهم حجم ما وصلت إليه الأوضاع".
ويشير التقرير إلى أن الموارد المالية للدولة أصبحت إحدى أهم أدوات تشكيل موازين القوة. وفي هذا السياق، لعبت حكومة الدبيبة دوراً محورياً في توجيه الاعتمادات والإنفاق العام نحو قوى بعينها، ما أسهم في صعود تشكيلات مسلحة على حساب أخرى. وهذه السياسة، التي يمكن وصفها بـ"اقتصاد الولاءات"، لم تُنهِ نفوذ المجموعات المسلحة، بل أعادت تشكيله داخل إطار أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية.
وبرز دور الدبيبة في تبني مقاربة تقوم على الاحتواء بدل المواجهة، عبر دمج عناصر من هذه التشكيلات في مؤسسات أمنية رسمية ومنحها غطاءً قانونياً أو شبه قانوني وإشراكها في ترتيبات أمنية داخل العاصمة.
وساهمت هذه السياسة في خلق ما يمكن وصفه بـ"الاستقرار المُدار"، حيث تتوازن القوى داخل شبكة مصالح معقدة، لكنها في الوقت ذاته تجعل الدولة رهينة لهذه التوازنات.
وبينما ساعد ذلك في تقليل احتمالات المواجهة المفتوحة داخل طرابلس، فإنه عمّق في المقابل ظاهرة الاقتصاد الموازي، حيث تداخلت الموارد الرسمية مع شبكات غير رسمية تستفيد من التهريب والفساد.
كما أن هذا التوازن يبقى هشاً، إذ يقوم على تفاهمات غير مكتوبة، قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي، خاصة في ظل غياب مؤسسة عسكرية موحدة.
وتناول التقرير دور إبراهيم الدبيبة، متهماً إياه بالضلوع في إدارة وتمويل عمليات تجنيد مسلحين، انطلقت من مدينة مصراتة لدعم القتال في طرابلس، مع تقديم حوافز مالية وصلت إلى نحو 5000 دينار أسبوعياً للمقاتلين، في إطار ما وصفه التقرير باستخدام "سلاح المال" لتعزيز النفوذ. وبعض هؤلاء المجندين تمركزوا داخل العاصمة، وتحديداً في حي الأندلس، حيث يقيم عبدالحميد وإبراهيم الدبيبة.
وتطرق إلى ما اعتبره ممارسات للابتزاز السياسي والمالي، شملت استهداف مسؤولين في مؤسسات سيادية، والتدخل في قطاع النفط لفرض قرارات تخدم مصالح ضيقة، على حساب المصلحة العامة للدولة.
وقوة العمليات المشتركة، المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الدبيبة والمتمركزة في مصراتة، لعبت دورا محوريا في توسيع نفوذه داخل طرابلس، مع إبراز حضورها المتزايد في المشهد الأمني للعاصمة.
ووثّق التقرير قيام مقاتلين من قوة العمليات المشتركة باقتحام مقر المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، في محاولة للضغط على المسؤولين لمنح عقود توريد. وهذه الحادثة لم تُقابل بإجراءات مساءلة تُذكر، مشيرا إلى أن تقليل السلطات من أهميتها يعكس استمرار حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها هذه الجماعات.
وأشار إلى أن هذه التطورات أدت إلى تصاعد التوترات بين الجماعات المسلحة في غرب ليبيا، سواء على أساس جغرافي أو سياسي.
وتفاقمت هذه التوترات نتيجة التنافس المستمر بين الجماعات المسلحة المتمركزة في طرابلس والمتحالفة مع الدبيبة، وأخرى قادمة من الزاوية ومناطق مختلفة في الغرب الليبي.
وتبدو غرب ليبيا أمام معادلة معقدة: سلطة تنفيذية تسعى إلى تثبيت الاستقرار عبر إدارة شبكة من القوى المسلحة، مقابل واقع مؤسساتي ضعيف يفتقر إلى الاستقلالية. وفي قلب هذه المعادلة يقف عبدالحميد الدبيبة، لاعباً رئيسياً في إعادة تشكيل موازين القوة، لكن ضمن حدود يفرضها واقع الانقسام وغياب الحل السياسي الشامل.
في النهاية، يكشف تقرير الخبراء أن ما يجري في غرب ليبيا ليس مجرد صراع على السلطة، بل عملية إعادة تشكيل للدولة نفسها، حيث تختلط الشرعية الرسمية بالقوة الفعلية على الأرض. وبين هذين المستويين، يتحدد مستقبل الاستقرار في البلاد، إما نحو ترسيخ دولة المؤسسات، أو تكريس نموذج "الدولة الهجينة" التي يحكمها توازن القوة أكثر مما تحكمها القوانين.