بنكيران يوظف جدل الساعة الإضافية لرفع رصيده السياسي
الرباط – عاد الجدل مجددا حول الساعة الإضافية واعتماد التوقيت القانوني في المغرب، وفي خضم هذا السجال، يبرز حزب العدالة والتنمية في محاولة إعادة توظيف هذا الملف سياسياً، بهدف استعادة جزء من رصيده الشعبي وتعزيز حظوظه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة من خلال تبني هذا المطلب.
ومنذ اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم عام 2018، تحوّل القرار إلى مادة خصبة للنقاش العام، وغالباً ما يُستحضر كرمز للفجوة بين صانع القرار والمجتمع. ورغم أن الحكومة التي كان يقودها الحزب نفسه آنذاك لعبت دوراً في تمرير القرار، فإن خطابه الحالي يتجه نحو تبني مواقف أقرب إلى الشارع، في محاولة لإعادة التموضع سياسياً.
وارتفعت المطالب بالاحتفاظ بالتوقيت القانوني في المغرب، في ظل تفاعل واسع مع المبادرات المدنية الرافضة لاعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة. حيث أعلنت الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية عن تسجيل إقبال لافت على العريضة الإلكترونية التي أطلقتها، إذ تجاوز عدد الموقعين عليها عتبة عشرين ألف توقيع في ظرف زمني وجيز، ما يعكس وفقها، تنامي الوعي المجتمعي والانشغال المتزايد بتداعيات هذا القرار على الحياة اليومية.
وأوضحت الحملة الوطنية، في بيان أن هذا التفاعل لم يقتصر فقط على الفضاء الرقمي، بل امتد إلى النقاش الإعلامي والبرلماني، حيث بدأت قضية التوقيت تفرض نفسها كموضوع ذي أبعاد متعددة، تتجاوز الجانب التقني لتشمل تأثيرات اجتماعية وصحية وتربوية تمس مختلف فئات المجتمع.
وفي خضم هذا الجدل وجد حزب العدالة والتنمية الفرصة ملائمة للانخراط في هذه الحراك لتسجيل موقف، فقال في بيان أن استمرار هذه الساعة يخلق استياءً واسعاً ويؤثر سلباً على حياة المواطنين اليومية وإنتاجيتهم.
وقالت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في بيان صادر عن اجتماعها الأخير، أن "هذه الساعة الإضافية، بالرغم من تقريرها وتجريبها منذ ثمان سنوات، لم تجد إلى حد الساعة قبولا شعبياً، بل إنها تخلق استياء لدى المواطنين والمواطنات وتؤثر سلباً على حياتهم اليومية ومردوديتهم وأنشطتهم والتزاماتهم، ارتباطاً بأوقات الصلاة والمدرسة والجامعة والإدارة والتجارة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والمهنية".
ولفت إلى أن المغاربة "لا يعتبرونها ساعة طبيعة بالنظر لما تخلفه من الآثار السلبية الكبيرة النفسية والبيولوجية والاجتماعية مقارنة مع بعض الآثار المتوقعة من اعتمادها على مستوى اقتصاد الطاقة وغيرها، وهو ما أدى إلى تنامي المطالبة بحذفها والعودة إلى الساعة القانونية، وإطلاق عريضة شعبية واسعة لهذا الغرض".
ويناقض الحزب سياساته السابقة بعد خروجه من الحكومة إثر انتخابات 2021، حيث وجد عبدالإله بنكيران وقيادة الحزب فرصة لإعادة صياغة خطابهم السياسي. فبدلاً من الدفاع عن السياسات السابقة، بات الحزب ينتقد بشكل متكرر استمرار العمل بالساعة الإضافية، مقدماً نفسه كمدافع عن الفئات المتضررة.
ويعكس هذا التحول استراتيجية واضحة بالانتقال من موقع تبرير القرار إلى استثماره شعبياً، عبر تسليط الضوء على تداعياته الاجتماعية، خصوصاً على التلاميذ في المناطق القروية والأسر ذات الدخل المحدود.
وتكمن أهمية ملف الساعة الإضافية في كونه قضية تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، وهو ما يجعله أداة فعالة في التعبئة السياسية. فالحزب يدرك أن القضايا المعيشية البسيطة مثل مواعيد الدراسة والعمل قد تكون أكثر تأثيراً من الملفات الكبرى في توجيه المزاج الانتخابي.
ومن خلال تكرار انتقاد القرار، يسعى الحزب إلى إعادة بناء جسور الثقة مع قاعدته التقليدية واستقطاب فئات متذمرة من السياسات الحكومية وتقديم نفسه كصوت قريب من هموم المواطنين.
غير أن هذا التوظيف لا يخلو من مفارقة واضحة، إذ يذكّر خصوم الحزب بدوره السابق في إقرار التوقيت الصيفي، معتبرين أن خطابه الحالي يعكس نوعاً من "الانتقائية السياسية". هذا التناقض قد يحدّ من فعالية الاستراتيجية، خاصة لدى شريحة من الناخبين الذين يحتفظون بذاكرة نقدية تجاه أداء الحزب في الحكومة.
ومع ذلك، يبدو أن الحزب يراهن على عامل الزمن، وعلى تراجع تأثير تلك المرحلة مقارنة بالضغوط المعيشية الراهنة، التي تعيد تشكيل أولويات الناخبين.
وفي سياق سياسي يشهد تنافساً متزايداً، يسعى حزب العدالة والتنمية إلى استثمار كل القضايا القابلة للتسييس، والساعة الإضافية واحدة من أبرزها. فهي ليست مجرد قرار إداري، بل تحولت إلى رمز للاستياء الشعبي، ما يمنح الحزب فرصة لإعادة تقديم نفسه كمعارض فعّال.
وفي ظل غياب قضايا كبرى جامعة، قد تصبح مثل هذه الملفات اليومية الصغيرة ذات أثر كبير في إعادة رسم الخريطة السياسية.