محمد ناصر المولهي يستنطق التاريخ الشعري في 'بيت لشبّاك الحفيد'

الشاعر التونسي يستحضر في مجموعته شخصية الثائر علي بن غذاهم في رؤية شعرية تمزج بين الوقائع التاريخية والخيال لترسم ملامح الهوية الوطنية التوّاقة للحرية، متجاوزة الخلافات الشكلية بين قصيدتي النثر والتفعيلة لصالح استنطاق الجوهري والإنساني.

تونس- "لا بيت لشبّاك الحفيد" مجموعة شعرية جديدة للشاعر التونسي محمد ناصر المولهي، يواصل من خلالها مشروعه الشعري على المستويين الجمالي والفكري، ولا يكتفي بالوقوف في حدود الاشتغال اللغوي.

نواة المجموعة هي قصيدة مطوّلة بعنوان "باي عرب" (والباي اسم حاكم تونس العثماني)، يستعيد فيها الشاعر شخصية الثائر التونسي علي بن غلا ذاهم (1814-1867)، قائد الثورة التونسية الكبرى التي قامت ضد نظام البايات وانتهت بأسره ووفاته في سجنه.

استعادت عدة أعمال مسرحية وإذاعية شخصية بن غذاهم، بينما تناولته كتب التاريخ من جوانب مختلفة كشفت ما له وما عليه، لكن القصيدة التي تتصدر مجموعة المولهي جاءت لتسدّ شغورًا شعريًا في تناول هذه الشخصية المؤثرة والمثيرة للجدل في التاريخ التونسي، إذ اختارت استنطاقًا آخر عاطفيًا للشخصية ولرؤياها، في مزج بين الوقائع التاريخية، مثل الأمكنة وبعض الأحداث والشخصيات، والخيال في جعل الشخصية تتحدث بلسانها.

يبدو بن غذاهم الثائر في القصيدة متعددًا، إذ هو في النهاية شخصية التونسي، في تناقضاته وأحلامه وهاجسه الأساسي بالحرية والحياة الكريمة والحب، وتلك النزعة الصوفية في تعامله مع الدين.

ليست القصيدة مدحية لبن غذاهم، بل محاولة لرسم ملامح الشخصية التونسية التوّاقة إلى الانعتاق من كل قيد، وهذا ما تثبته الحقائق التاريخية لبلد لم ييأس شعبه من الثورة كلما اشتد ظلم حكامه.

فنيًا، قامت القصيدة على تنوع إيقاعي، سواء في تفعيلاتها أو بحورها، تماشيًا مع حالة الشخصية المستعادة، التي تبدأ رواية قصتها من لحظة النهاية والإذلال في السجن، إلى لحظات الذروة والثورة والقيادة والدعوة إلى توحيد الأصوات، ثم العودة إلى وحدة السجن المظلم، لكن دون أن تكون النهاية لحظة يأس، بل هي وصية للأحفاد ليواصلوا حلم الأجداد بحياة أفضل.

أهم ما يمكن رصده في المجموعة الشعرية الجديدة لمحمد ناصر المولهي هو محو ذلك الخصام الشكلي بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، أو كما يحلو للشاعر تسميتها بالشعر الحر، إذ لقصيدة النثر اشتراطات أخرى تتجاوز مسألة إلغاء الوزن والقافية.

أغلب قصائد المجموعة تنتمي إلى التفعيلة، لكن الشاعر لا يلهث لضبط الإيقاع التفعيلي أو للخروج عنه، بل الحالة الشعرية والرؤية وإيقاع الذات هي ما يخلق شكل النص الشعري، إذ يبتعد المولهي عن الصراعات الشكلية متجهًا أكثر إلى الجوهري واستنطاق الأشياء والأماكن والتواريخ والمشاعر، وهو ينصب نفسه صوتًا للأحفاد التائهين بحثًا عن محل لهم في عالم مضطرب بالصراعات والحروب وتشييء الإنسان وبرودة اليأس المستشرية.

ليس الخطاب الشعري هنا شكوى أحفاد أو تمجيد أجداد، بل إن الأجداد قد نجدهم "بلا مكانة"، كما يقول الشاعر، وقد نجدهم جنودًا بلا أسماء أو ورثة للأخطاء القديمة المتلاحقة من جيل إلى جيل، أما الأحفاد فهم بدورهم مشاريع أجداد جدد، يسلّمون جراحاتهم وعقدهم وأحلامهم لمن بعدهم، لكن دور الشعر أن يوقظ دواخلهم، لعلّ تلك السلاسل تتوقف ويتأسس خطاب آخر يسائل الماضي ويعالج الحاضر ويستشرف المستقبل.

تقف النصوص بقوة ضد الحرب والغزاة، وضد الرؤى الظلامية المنغلقة في الماضي، وضد تقديس التراث، ومع الذات كيفما كانت وأينما كانت. إنها موازنة بين أشد المناطق العاطفية خصوصية وبين المشترك الجماعي الحضاري الذي يجب أن يكون.

قسّم الشاعر مجموعته إلى ثلاثة أجزاء داخلية: كان الأول قصيدة "باي عرب"، والثاني "سيّد الغرفة"، وفيه نصوص متنوعة أبطالها شخصيات لا تدّعي البطولة وتحاول، في مجملها، نحت رؤية جريئة دون ماكياج للواقع الإنساني، أما الثالث فحمل عنوان "أعد لي قميصي أيها الحب"، وتقوم نصوصه على تأملات في الحب والحرب، ويمزج بدوره بين شخصيات مختلفة مثل الابن ويوغرطا وأبي نواس وغيرها.

يمكن اعتبار المجموعة تفكيرًا في واقع الإنسان التونسي المعاصر، والإنسان أينما كان بصفة عامة، حيث تتمازج التواريخ بالمشاعر التي يوليها الشاعر اهتمامًا بالغًا، وقد كتب كل نص بعناية لغوية فائقة تقوم في أصلها على الكتابة بالمحو، حيث تختبر الأفكار إلى درجة انصهارها في الجهاز الشعوري، وتحولها إلى مشاعر، أو ربما ما يمكن تسميته، اتباعًا لفوكو، باللاوعي المعرفي.

ويُعدّ محمد ناصر المولهي من الأصوات الشعرية التي بدأت النشر بعد الثورة التونسية، مقترحًا جماليات أخرى في القصيدة التونسية والعربية، وقد سبق أن أصدر مجموعتين: الأولى بعنوان "مثل كل شيء تنتهي" عن منشورات بيت الشعر التونسي، ووُسمت الثانية بـ"غرقى جبليون"، وصدرت عن دار نقوش عربية.

وجدير بالذكر أن مجموعة "لا بيت لشبّاك الحفيد" صدرت أخيرًا عن دار أبجديات للنشر والتوزيع، بغلاف من لوحة الفنان التشكيلي السوري ياسر حمود.