عقلية الصفقة: من سوق العقار إلى مضيق هرمز
قبل أيام تفرغت لقراءة كتاب "فن الصفقة" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حينها لم أكن أبحث عن سيرته الذاتية، وإنما كنت أحاول أن أجد إجابة على السؤال التالي: كيف يمكن لإدارة سياسية أن تحمل كل هذا القدر من التناقضات؟ بين الوعود الكبرى والنتائج الفوضوية، بين خطاب "السلام العالمي" ومغامرات هزت أعرق التقاليد السياسية.
لكني سرعان ما أدركت أن الكتاب، الذي شارك في كتابته الصحفي توني شوارتز، هو المفتاح الحقيقي لفهم عقلية رئيس قلب الطاولة الدولية رأسا على عقب، وعرض ويعرض حياة مئات الآلاف لخطر الإبادة، وما نراه اليوم من تصعيد في المنطقة هو نتيجة عقلية ترى العالم كصفقة، وليس كحياة وحقوق بشرية، ومن هنا فإن نقد هذا المسار السياسي ليس رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية.
من يقرأ كتاب "فن الصفقة" يكتشف أن الرئيس الأميركي يؤمن بأن النجاح في أي مفاوضات يبدأ بامتلاك خيارات متعددة، بحيث يكون الطرف الآخر مرتبكًا لا يعرف قرارك القادم، وهو ما يحقق أرباحًا مجزية في عالم الأعمال، لكن المشكلة تبدأ حين تُنقل هذه الفلسفة بكل أدواتها إلى عالم السياسة الدولية، وتصبح كل الاتفاقات هشة وقابلة للانهيار، حينها تتحول السياسة إلى مصدر توتر دائم.
خذ مثلًا تهديداته المتكررة بالانسحاب من الناتو وخروجه الفعلي من اتفاقيات دولية جوهرية، وفرض ضرائب بدون غطاء قانوني، وإدخال المنطقة في حروب دون غطاء دولي، وغيرها من قرارات فردية هي بمثابة الإعلان الصريح بأن الاستقرار العالمي هو تحصيل حاصل.
اللافت أن هذا المنطق هو امتداد طبيعي لأسلوب تفاوض يشرحه ترامب بنفسه في كتابه، فهو يرى أن المطالب تبدأ صعبة المنال ثم تتراجع تدريجيًا نحو الهدف الحقيقي، وهذه الخدعة قد تصلح في سوق العقار، لكنها تتحول إلى كارثة حين تُطبق على دول تمتلك جيوشًا وعقائد قتالية وذاكرة تاريخية وسيادة، حينها يرتفع منسوب التوتر إلى درجة الغليان، وتتحول كل أزمة سياسية إلى مواجهة مدمرة.
ترتكز عقلية ترامب على منطقين متداخلين يفسران هذه الكوارث، الأول هو "الاستعداد الدائم للانسحاب" الذي يشرحه في كتابه كأقوى أوراق التفاوض، لكن الانسحاب في السياسة الدولية يخلق فراغًا هائلًا، ويورط الحلفاء، إذ سرعان ما تندفع القوى الأخرى لملئه، وتنفجر معه صراعات كان يمكن احتواؤها بأساليب أقل كلفة.
أما المنطق الثاني فهو "المحصلة الصفرية"، فالعالم هو مجرد صفقة فيها رابح وحيد وخاسر وحيد، وهو مفهوم كارثي في علاقات معقدة تحتاج إلى بيئة تفاهم وتعاون عبر الحدود، وعندما يُضاف إلى هذين المنطقين اعتماده على حدسه الشخصي بدل التحليلات المهنية الرصينة، تتحول السياسة الأميركية إلى كرة نار تندفع لتخلق فوضى مفتوحة.
أهمية دراسة نظرية ترامب في كتابه "فن الصفقة" أنها لم تعد نظرية في كتاب، وإنما أصبحت واقعًا يمس أمن واستقرار دول الخليج، التي تتبنى موقفًا يقوم على "الحذر الاستراتيجي" تجاه النزاعات والحروب، وتعتمد في نموها على سمعتها كبيئة مستقرة للعمل الاقتصادي. ولذا فإن الأخطر من العدوان العسكري هو التأثير على الملاحة في مضيق هرمز، وسلامة خطوط نقل النفط، والموانئ الحيوية.
دول الخليج تدرك تمامًا مخاطر ما يجري على سواحلها، وهي تتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة والرد على الاعتداءات الإيرانية، وتميل إلى سياسة الاحتواء التي تعد أقل خطرًا وتكلفة، وتتفهم أن أي تقدير خاطئ قد يشعل أزمة طاقية تحول الحرب المحلية إلى كارثة إقليمية، فهم يتعاملون مع الحرب كتهديد وجودي، وهم على حق، بينما تتعامل معها السياسات الأميركية الراهنة على أنها صفقة رابحة ومقامرة مكشوفة.
في النهاية، تثبت التوترات الدولية الراهنة أن عقلية رجل الصفقات الذي يرهن الأمن بالأرباح لا يصلح بتاتًا لإدارة الأزمات العالمية، وأن سياسات "المقامرة" يمكن أن تتحول إلى كارثة تطال الملايين من الأبرياء دون ذنب، وأن السياسات يجب أن تُقاس دائمًا بما تحميه من أرواح، لا بما تكسبه من أموال.