'قال إيه حلف ما يكلمنيش' في مئوية أغاني أم كلثوم
يُعد العام 1926 هو العام الحاسم، وسنة إثبات الذات في حياة أم كلثوم وفنها، حيث بدأت تقيم في القاهرة بصفة أساسية، بدلا من المجئ من قريتها والعودة إليها بعد انتهاء الحفلات والأفراح وليالي الطرب والإنشاد, وكانت بداية إقامتها في القاهرة منذ ذلك العام صعبة بطبيعة الحال. فشتان بين العاصمة المصرية القاهرة، وقرية "طماي الزهايرة" بمحافظ الشرقية.
يوضح لنا الكاتب الصحفي محمود عوض في كتابه "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد" أن أم كلثوم كانت تجئ إلى "الفرح" راكبة، ثم تعود بعد الفرح سيرًا على الأقدام. كانت فقيرة تغني المدائح النبوية، وترتدي العقال على رأسها، وبالطو أزرق على جسمها، كانت ملابسها متواضعة، وعليها أن تُحارب - مع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي (توفي 1931)- لكي تدخل دائرة المطربين المشهورين، أو نصف المشهورين.
في هذا العام – وما قبله كان الغناء السائد تقول كلماته: "مين فيكو بابا .. مين فيكو ماما .. مش عارفة نينة من غير علامة". أو "أرخي الستارة اللي ف ريحنا .. أحسن جيرانك تجرحنا". أو أغنية ثالثة تغنيها عزيزة المصرية وتقول: "ما تحافش عليَّا أنا واحدة سجوريا .. في العشق يا أنتَ واخدة البكالوريا". أو أغنية أخرى تقول كلماتها: "ايه اللي جري .. في المندرة .. شيء ما افهموش .. أنا كنت صغيرة".
ويؤكد لنا محمود عوض أن أقوى وسائل تعبير الإعجاب عند جمهور 1926 بمثل هذه الأغاني هو قذف الطرابيش "والطرابيش تملأ جميع مسارح القاهرة".
كانت هناك سلطانة الطرب وكروانة مصر الوحيدة وبلبل وادي النيل السيدة منيرة المهدية وقيل عنها: "دكتوراه ممتازة في الغناء والطرب بين العالم الشرقي جميعه" والتي كانت تغني لأحد رؤساء الوزراء قائلةً: "تعالى يا شاطر .. نروح القناطر".
في هذه الأجواء ووسط هذا المناخ الفني السائد في عام 1926، قررت أم كلثوم أن تستقر بالقاهرة، وتنتقل من غناء القصائد والتواشيح إلى الأغاني "الحديثة" (الطقاطيق) لتنافس منيرة المهدية وغيرها.
وهي تقول عن تلك البداية: "كانت القاهرة عندما بدأنا نستقر فيها سنة 1926 كالمريخ في كل شيء فيها نكتشفه لأول مرة. كل شيء فيها مختلف عما رأيناه من قبل. البيوت مختلفة. الشوارع مختلفة. السهرات مختلفة. الناس مختلفون. والجمهور مختلف''. كان هناك متعهد الحفلات الذي يأتي لهم للاتفاق على الغناء في حفل أو فرح أو سهرة، وغالبا كان يمنحهم القليل ويأخذ الكثير من ورائهم، بل يخالف ما اتفقوا عليه مع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي ويمنحهم القليل. وكان الجمهور يطلب أغاني معينة غير التي تؤديها أم كلثوم، وأحيانا يقاطعونها كي يستمعوا إلى ما يرغبون من الأغاني الخليعة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ويصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الستارة إذا أصرت أم كلثوم على أداء أغانيها التي تختارها هي. وذات مرة صفعها أبوها على وجهها عندما شتمت بعض الجمهور (السكران) الذي هجم عليها يريدون إنزالها من على خشبة المسرح، أو إغلاق الستارة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يصفعها أبوها بيده أمام الجمهور. وكان ذكيّا في هذا التعامل، إذ لولا ذلك لكان الجمهور فتك بأم كلثوم في تلك الليلة من ليالي 1926.
في عام 1926 سجلت أم كلثوم أول أغنية لها على أسطوانة، وهي أغنية "مالي فتنت بلحظك الفتاك" كلمات الشاعر علي الجارم (1881 – 1949)، وتلحين أحمد صبري النجريدي (1900 – 1969)، وقد حققت الأسطوانة مبيعات كبيرة بسبب شعبية أم كلثوم في الريف المصري والقرى والنجوع وليس في القاهرة، ولم يكن مطربو القاهرة وقتها يذهبون للغناء في الريف، لذا لم يعرفهم الكثيرون هناك.
ومنذ العام 1926 بدأت المقارنة تتضح بين منيرة المهدية وأم كلثوم، ونشرت إحدى المجلات في شهر ماي/مايو من هذا العام تعليقًا يقول: "للسيدة منيرة المهدية أنصار، وللآنسة أم كلثوم أنصار، وكل من الطرفين يدعي أن صاحبته هي ذات الصوت الأجمل" وتطلب المجلة رأي الجمهور. وقد انحاز الجمهور لأم كلثوم في ذلك الوقت.
وفي العام نفسه أجرت مجلة أخرى استفتاءً على صاحبة الصوت الأجمل بين الثلاثة: منيرة المهدية، وفتحية أحمد، وأم كلثوم. وفي هذ الاستفتاء جاءت أم كلثوم في الترتيب الثالث. فلم تندب حظها، ولكن كان هذا دافعًا لها لبذل المزيد من الجهد. وبدأ حظُّها يتحوَّل مع أغنية "إن كانت اسامح وأنسى الأسية" (كلمات أحمد رامي ولحن محمد القصبجي) حيث اشترى منها الجمهور عام 1928 نصف مليون أسطوانة.
في عام 1926 غنَّت أم كلثوم 28 أغنية جديدة، ربما كان أكثر الأعوام غناءً بالنسبة لها، وقد استمع الجمهور إلى أغنية: "قال إيه حلف ما يكلمنيش" كلمات يونس القاضي (1888 – 1969)؛ رائد الأغنية الشعبية والوطنية في ذلك الوقت (مؤلف نشيد "بلادي بلادي") وتميزت كلماته بالجرأة والواقعية التي تلمس الشارع، ولحن محمد القصبجي (1892 – 1966) الذي قدَّم لحنًا ثوريًّا وقتها؛ لأنه أخرج صوت أم كلثوم من الوقار الشديد والمدائح النبوية إلى الحيوية والدلال الأنثوي.
تقول كلمات الأغنية:
''قال ايه حلف ما يكلمنيش
ده بس كلام والفعل ما فيش
جاني الكلام مكتوب في جواب
قلت وأكم جيت على الطبطاب
هجره ان طول حلمي اتنول ومن الأول
دا طبعه يا ناس ما يوافقنيش
قال ايه حلف ما يكلمنيش
ارجع لودك من تاني هو انت تقدر تنساني
تهجر أصبر .. تعطف أشكر .. تغضب أعذر
ما دام جفاك ما يخلصنيش
قال ايه حلف ما يكلمنيش
روحي وروحك متفقين
ان كنت فرحان ولا حزين
قادر ربك يلهم قلبك ارحم صبَّك
من غير هواك ماقدرش أعيش
قال ايه حلف ما يكلمنيش.''
تدور هذه الأغنية حول حالة "الدلال" (التُّقل) بين الحبيبين. الحبيب يحاول إظهار القوة والقطيعة بالحلفان، بينما تدرك المحبوبة بخبرتها أن هذا مجرد كلام عابر لا يقوى عليه، مما يُضفي جوًّا من الثقة والتمكن العاطفي.
تبدأ الأغنية بعبارة استنكارية "قال إيه"، وهي تعكس عدم تصديقها لتهديد الحبيب. تعبير "والفعل ما فيش" يختصر طبيعة الحبيب المتردد الذي يغلب عليه شوقه مهما حاول الابتعاد.
واستخدام تعبير "الطبطاب" في "وأكم جيت على الطبطاب"، (أي الفرصة الذهبية أو الوقت المناسب) يدل على أن المحبوبة ذكية؛ فهي تستغل خصام الحبيب لتعيد ترتيب الأوراق، بل وتعتبر هجره فرصة لتنال حلمها (ربما في زيادة تعلُّقِه بها).
في مقطع "تهجر أصبر.. تعطف أشكر"، نجد تقابلاً رائعًا يعكس مرونة المحبوبة. هي مستعدة لاستيعاب كل حالاته (الغضب، الهجر، العطف) لأنها تدرك أن "جفاءه" هو الشيء الوحيد الذي لا تطيقه.
وفي "روحي وروحك متفقين"؛ هنا ينتقل التحليل من المستوى السطحي (الخناق) إلى المستوى الروحي العميق. هي تؤمن بكيمياء خاصة تربطهما، تجعل الفراق أمرًا مستحيلاً من الناحية القدرية.
كلمات الأغنية من العامية المصرية الرشيقة القريبة من القلب، وتُستخدم ألفاظ يومية مثل (الجواب، الطبطاب، ما يخلصنيش) لكن بصياغة شعرية رصينة راقية. وكان الإيقاع راقصًا، حيث نجد الكلمات مكتوبة بقافية قصيرة وسريعة توحي بالبهجة والخفّة، مما يقلل من حدة "الهجر" المذكور ويجعله مجرد "مداعبة".
إن هذه الأغنية تجسد الصبر الجميل والثقة في الحب. وهي رسالة لكل حبيبين بأن الخصام أحيانًا يكون "مِلح الحب"، وأن المُحب الحقيقي هو من يقرأ ما خلف الكلمات والتهديدات بالرحيل. وهي تنتمي لمرحلة "الطقاطيق" الخفيفة التي قدمتها أم كلثوم في العشرينيات. وفيها كسرت أم كلثوم الصورة النمطية، وسبَّبت صدمة إيجابية للجمهور؛ فالآنسة الريفية التي كانت تُغني بالعمامة والجبّة والبالطو الأزرق، أصبحت تغني "قال إيه حلف ما يكلمنيش" بدلال وخفّة ظل ورقّة، مما أسهم في اتساع قاعدتها الجماهيرية.
وتعكس الكلمات "جاني الكلام مكتوب في جواب" وسيلة التواصل العاطفي الوحيدة والأساسية في ذلك العصر (الرسائل الورقية)، وهو ما يعطي الأغنية طابعًا نوستالجيًّا (حنين للماضي). ونرى في هذا الأغنية مزجًا بين العامية الدارجة وبعض المفردات الفصحى الرقيقة مثل (ارحم صبَّك) أي (حبيبك المشتاق). وهو أسلوب الشاعر يونس القاضي المفضَّل.
إذن هذه الأغنية تصور حالة العناد؛ الحبيب يحلف بالهجر، والمُحبّة (أم كلثوم) ترد بثقة "ده بس كلام"، وكأنها تدرك خبايا قلبه أكثر منه. هي حالة من التحدي اللطيف الذي ينتهي بالتسليم "من غير هواك ماقدرش أعيش".