رحيل ساجدة عبيد يفقد العراق صوت 'الجوبي'
بغداد ـ أعلنت نقابة الفنانين العراقيين السبت نبأ وفاة الفنانة ساجدة عبيد عبر بيان رسمي عبّرت فيه عن بالغ حزنها لرحيل واحدة من أبرز الأصوات في تاريخ الأغنية الشعبية العراقية، مؤكدة أن الساحة الفنية فقدت برحيلها رمزا فنيا ارتبط بالذاكرة الجمعية للعراقيين لعقود طويلة.
وتُعد ساجدة عبيد من أهم رموز الغناء الشعبي في العراق، إذ شكّل صوتها جزءا أصيلا من ملامح الفرح العراقي، خاصة في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حيث استطاعت أن تنقل التراث الغنائي بروح معاصرة نابضة بالحياة. وبرحيلها، تفقد الساحة الفنية صوتا استثنائيا استطاع أن يعبّر عن وجدان الناس البسطاء ويجسد تفاصيل حياتهم اليومية.
وُلدت ساجدة عبيد، واسمها الحقيقي سجودة مناع عودة شبيب التميمي، عام 1957 في بيئة بسيطة، عانت فيها من ظروف معيشية صعبة منذ طفولتها. لم يكن دخولها إلى عالم الفن خيارا ترفيهيا، بل جاء بدافع الحاجة إلى العمل وتحسين واقعها الاجتماعي.
بدأت الغناء في سن مبكرة جدا، متحدية الأعراف الاجتماعية التي كانت تنظر إلى الغناء الشعبي بنوع من التحفظ، خاصة بالنسبة للنساء.
ورغم تلك التحديات، أظهرت موهبة لافتة وإصرارا كبيرا، ما مكّنها من شق طريقها بثبات نحو عالم الشهرة. ومع مرور الوقت، بدأت ملامح نجوميتها تتشكل، مستفيدة من حضورها القوي وصوتها المميز الذي يجمع بين القوة والإحساس الشعبي الصادق.
بلغت ساجدة عبيد ذروة تألقها خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهي الفترة التي تُعد العصر الذهبي لمسيرتها الفنية. فرضت نفسها بقوة على الساحة من خلال مشاركاتها المكثفة في الحفلات الشعبية والأعراس، حيث أصبحت اسمًا لا غنى عنه في أي مناسبة فرح.
وتميزت بأسلوبها الحيوي وقدرتها على التفاعل المباشر مع الجمهور، ما جعلها تحظى بشعبية واسعة، خصوصا في الأوساط الشعبية. ولم يكن غريبا أن تُلقب بـ"نجمة الأعراس" و"ملكة الجوبي"، نظرا لدورها الكبير في نشر هذا اللون الغنائي.
وشكّل فن الجوبي حجر الأساس في شهرة ساجدة عبيد، إذ أبدعت في تقديم هذا اللون الغنائي الذي يجمع بين الإيقاع السريع والرقص الجماعي.
ويُعد الجوبي أحد أبرز أشكال التراث الشعبي في العراق، حيث يُؤدى في المناسبات المختلفة، ويعكس روح الجماعة والتلاحم الاجتماعي.
وقد ساهمت ساجدة عبيد في الحفاظ على هذا الفن وتطويره، من خلال إدخال لمساتها الخاصة التي جعلته أكثر جذبًا للأجيال الجديدة، دون أن يفقد أصالته. وكانت قدرتها على أداء المواويل إلى جانب الأغاني الإيقاعية تمنح حفلاتها طابعًا متكاملًا يجمع بين الطرب والحماس.
وعلى مدار مسيرتها، قدمت ساجدة عبيد عشرات الأغاني التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الغنائية العراقية. من أبرز أعمالها "خالة ويا خالة"، و"هذا الحلو كاتلني"، و"أنا أرد أعوف كل هلي"، و"انكسرت الشيشة"، إضافة إلى مجموعة كبيرة من المواويل التي أبرزت إمكانياتها الصوتية.
واتسمت أغانيها بالبساطة والصدق، حيث تناولت موضوعات قريبة من حياة الناس، ما جعلها تحظى بقبول واسع لدى مختلف الفئات. كما ساعدها هذا الأسلوب في الحفاظ على جماهيريتها رغم تغير الأذواق الموسيقية عبر الزمن.
ولم تخلُ مسيرة ساجدة عبيد من الجدل، فقد عُرفت بجرأتها في الأداء واختيار الكلمات، وهو ما عرضها أحيانًا لانتقادات من بعض الأوساط المحافظة. إلا أن هذه الجرأة كانت جزءًا من شخصيتها الفنية، وأسهمت في تعزيز حضورها وتميزها عن غيرها من الفنانين.
كما أثيرت حولها بعض الشائعات، من بينها مزاعم ارتباطها بالنظام العراقي السابق، لكنها بقيت دون أدلة حاسمة، ويرى كثير من النقاد أنها كانت فنانة عاشت مرحلة معينة وقدمت أعمالا وطنية مثل غيرها من أبناء جيلها.
وامتازت ساجدة عبيد بحضور قوي على المسرح، حيث كانت قادرة على إشعال الأجواء بفضل طاقتها العالية وتفاعلها المباشر مع الجمهور. هذا الحضور منحها قدرة على الاستمرار لسنوات طويلة في صدارة المشهد الغنائي، رغم التحديات والتغيرات التي طرأت على الساحة الفنية.
ولم تكن ساجدة عبيد مجرد مطربة، بل كانت ظاهرة فنية متكاملة، ارتبطت بالفرح العراقي ونجحت في نقل التراث الشعبي إلى أجيال متعاقبة. وقد تركت بصمة واضحة في فن الجوبي، وأسهمت في ترسيخه كأحد أهم ألوان الغناء في العراق.
برحيل ساجدة عبيد، يخسر الفن العراقي أحد أبرز أعمدته، إلا أن إرثها سيبقى حاضرا من خلال أعمالها التي لا تزال تُردد في كل مناسبة فرح. إنها قصة فنانة صنعت نفسها بإرادتها وموهبتها، وكتبت اسمها في تاريخ الغناء الشعبي بحروف لا تُمحى، لتظل شاهدًا على أن الفن الصادق يبقى حيًا في وجدان الشعوب مهما غاب أصحابه.


