أزمة الغاز بين وفرة التصريحات وشحّ الاسطوانات

في بلدٍ غنيّ بالنفط ما زال المواطن ينتظر أن يرى أثر الوعود على أرض الواقع لا أن تبقى المعاناة نفسها تتكرر كل مرة.

في بلدٍ يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم وكأن الثروة الهائلة من الطاقة لم تجد طريقها إلى بيت المواطن ولم تصل إلى مطبخه إلا عبر الوعود والتصريحات الرسمية التي تملأ نشرات الأخبار دون أثر ملموس على الأرض. كل عام ومع تغيّر المواسم تتكرّر الأزمة نفسها وكأنها مرض مزمن فالجهات الرسمية تؤكد أن الكميات متوفرة وأن العمل جارٍ على تغطية جميع المحافظات لكن الواقع في الأحياء الشعبية والأسواق يقول عكس ذلك الأسعار ترتفع والأسطوانة تختفي والمواطن يعود ليشتريها من السوق السوداء بأضعاف سعرها الرسمي.

أزمة الغاز ليست نتيجة ظرف طارئ بل وليدة تراكم طويل من سوء الإدارة والتخطيط فالعراق يمتلك كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراج النفط، لكن نحو نصف هذه الكميات تُحرق في الهواء بسبب ضعف البنى التحتية لمعالجتها فيما مشاريع استثمار الغاز التي أُعلنت منذ أكثر من عقد ما زالت تتلكأ بين الوعود والمناقصات غير المكتملة. شبكات التوزيع بدورها تعاني فوضى مزمنة، الكميات تتسرب إلى السوق السوداء وسط غياب شبه تام للرقابة وبعض المحطات تحتكر البيع أو ترفع الأسعار دون خوف من العقاب، بينما يكتفي المسؤولون بالتصريحات عن تشديد الإجراءات دون تنفيذ حقيقي وتتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية في هذا الملف فهناك من يرى في أزمات الغاز والوقود وسيلة ضغط أو فرصة ربح من خلال عقود الاستيراد ليصبح المواطن ضحية تجاذبات بين السلطات والجهات المنتفعة.

الإعلام الرسمي يعيد المشهد نفسه في كل أزمة إذ يتكرر على مسامع الناس تصريح المتحدث باسم الوزارة بأن الغاز متوفر ولا داعي للقلق وأن الخلل مؤقت وسيتم تجاوزه قريباً، لكن هذه الكلمات باتت لا تُقنع أحدًا بل تُقابل بالابتسامة الساخرة من المواطن الذي جرّب مرارًا أن الأزمة تمتد أكثر مما وُعد التلفاز يبشّر بالوفرة فيما تُغلق أبواب محلات البيع في وجه الناس بحجة نفاد الكمية وكأن الحقيقة والإعلام يسيران في اتجاهين متعاكسين.

في بغداد والبصرة والانبار تتكرّر مشاهد الانتظار والغضب. ربّة البيت تبحث يومياً عن سيارة التوزيع وأصحاب المطاعم اضطروا إلى تقليص أعمالهم وبعض العائلات لجأت إلى استخدام الحطب أو مدافئ النفط الأبيض للطبخ في مشهد يعيدنا عقودًا إلى الوراء. الغضب يتراكم لكنه لا يجد حلًا حقيقيًا سوى بيانات مطمئنة لا تتجاوز الورق أو الشاشة

الحل لا يكمن في إرسال سيارات توزيع إضافية كلما تفاقمت الأزمة بل في بناء منظومة وطنية متكاملة لإنتاج الغاز ومعالجته وتوزيعه بكفاءة وعدالة المطلوب رؤية اقتصادية واضحة تُعالج جذور الخلل تبدأ بإعادة تأهيل البنى التحتية وتفعيل الرقابة على شبكات التوزيع مروراً بتحقيق الشفافية في العقود والتخلص من المركزية المفرطة التي تُبطئ القرارات الحيوية في التعامل مع الأزمات.

أزمة غاز الطبخ ليست مجرد أزمة طاقة إنها أزمة ثقة بين المواطن والدولة. المواطن الذي يرى الوعود تُصنع في الاستوديوهات، بينما يبقى واقفا على الأرصفة بحثاً عن أسطوانة غاز لم يعد يصدق أي بيان رسمي.

وفي بلدٍ غنيّ بالنفط ما زال المواطن ينتظر أن يرى أثر الوعود على أرض الواقع لا أن تبقى المعاناة نفسها تتكرر كل مرة.