مبادرة أممية تؤجج أزمة القضاء في ليبيا بدل احتوائها

المجلس الأعلى للقضاء ينتقد آلية تشكيل لجنة الوساطة، مؤكداً أنها لم تنبثق عن أي جهة رسمية معروفة ولم يتم إخطاره بتشكيلها من قبل البعثة الأممية.

طرابلس - تشهد ليبيا في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في حدة أزمتها القضائية، في تطور يعكس عمق الانقسامات المؤسسية التي تعانيها البلاد منذ سنوات. وقد برز هذا التصعيد بشكل واضح عقب انتقاد المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا للبيان الصادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والذي تضمن مبادرة وساطة تهدف إلى احتواء الخلافات القائمة داخل السلطة القضائية.

ورد المجلس الأعلى للقضاء الليبي على ما ورد في بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن جهود معالجة الأزمة القضائية، نافياً وجود أي لجنة وساطة قائمة، ومؤكداً أن المعلومات المتداولة في هذا السياق "غير دقيقة".

وأوضح المجلس في بيان رسمي، أن اللجنة الوحيدة التي علم بها سابقاً كانت تهدف إلى منع صدور حكم من المحكمة العليا يقضي بعدم دستورية قانون المجلس الأعلى للقضاء، مشيراً إلى أن الحكم صدر بالفعل، وأن بعض أعضاء تلك اللجنة قاموا لاحقاً بتوسيعها دون تمثيل للمجلس.

وأضاف أن اللجنة التي أشارت إليها البعثة لم تعقد اجتماعاتها في مدينة بنغازي، بل اجتمعت في طرابلس دون إشراك فقهاء القانون أو القضاة في شرق البلاد، وهو ما اعتبره إقصاءً لأحد أطراف النزاع.

وانتقد المجلس آلية تشكيل اللجنة، مؤكداً أنها لم تنبثق عن أي جهة رسمية معروفة، ولم يتم إخطاره بتشكيلها من قبل البعثة الأممية، معتبراً أن معالجة الأزمة القضائية يجب أن تنطلق من مراجعة شاملة للبنية المؤسسية للنظام القضائي، وليس فقط من تعديل قانون المجلس الأعلى للقضاء.

كما أبدى المجلس تحفظه على ما ورد بشأن استجابة مقترحات اللجنة للمصلحة العامة، معتبراً أن أي تعديلات قانونية قد تكون عرضة للطعن، ما قد يعيد الأزمة إلى نقطة البداية.

وأشار البيان إلى أن اللجنة لم تتواصل مع طرفي النزاع، وهما المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا، ولم تطلع على الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية في القضية محل الخلاف، متسائلاً عن الجهات التي استندت إليها في إعداد مقترحاتها.

ودعا المجلس إلى ضرورة فتح حوار مباشر مع الأطراف المعنية، والاستفادة من المقترحات القانونية المطروحة، بما في ذلك ما يتم تداوله في الأوساط الأكاديمية، مؤكداً أنه الجهة المختصة باقتراح التعديلات التشريعية المنظمة للسلطة القضائية وفقاً للقانون.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت في وقت سابق تشكيل لجنة وساطة تضم عدداً من الخبراء القانونيين، وقدمت ثلاثة مقترحات خلال شهر مارس/آذار 2026، وصفتها بأنها تمثل الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقلال القضاء ووحدته، مشيرة إلى أن دورها يقتصر على تقديم دعم فني دون التدخل المباشر في أعمال اللجنة.

ويكشف هذا التوتر عن إشكالية متجددة تتعلق بحدود التدخل الدولي في الشأن الليبي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات يفترض أن تتمتع بالاستقلالية التامة، وعلى رأسها القضاء. فقد عبّر المجلس الأعلى للقضاء عن رفضه لما اعتبره "تجاوزًا" لدور البعثة الأممية، مؤكدًا أن معالجة الخلافات داخل المنظومة القضائية يجب أن تتم عبر الأطر الوطنية دون وصاية أو تدخل خارجي.

في المقابل، ترى بعثة الأمم المتحدة أن تدخلها يأتي في سياق دعم الاستقرار المؤسسي وتعزيز سيادة القانون، في ظل حالة الانقسام السياسي التي ألقت بظلالها على مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها الجهاز القضائي. وتؤكد البعثة أن وساطتها تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، بما يضمن استمرار عمل القضاء بشكل طبيعي ويمنع تحوله إلى ساحة صراع إضافية.

وتتداخل هذه الأزمة مع مشهد سياسي معقد تعيشه ليبيا منذ سنوات، حيث تتنازع السلطة حكومتان ومؤسسات متعددة، ما أدى إلى انقسام فعلي في مراكز القرار. وفي هذا السياق، لم يعد القضاء بمنأى عن هذه التجاذبات، بل بات أحد ميادينها، سواء من خلال الخلافات حول التعيينات أو الاختصاصات أو حتى شرعية بعض القرارات القضائية.

ويرى مراقبون أن احتدام الخلاف بين المجلس الأعلى للقضاء وبعثة الأمم المتحدة يعكس مخاوف حقيقية من تسييس القضاء، وهو ما قد يقوض ما تبقى من ثقة في هذه المؤسسة الحيوية. كما يحذرون من أن استمرار هذا التوتر دون حلول توافقية قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد الليبي، ويعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار السياسي والأمني.

في المحصلة، تبدو الأزمة القضائية في ليبيا مرآة للأزمة الأعمق التي تعيشها البلاد، حيث تتشابك العوامل السياسية والقانونية والدولية في معادلة معقدة. وبين تمسك المؤسسات الوطنية بسيادتها، وسعي المجتمع الدولي إلى لعب دور الوسيط، يبقى مستقبل القضاء الليبي رهينًا بقدرة الأطراف على إيجاد أرضية مشتركة تضمن استقلاليته وتحصنه من التجاذبات.