من يرمّم نفوس الأطفال المهدّمة بعد الحرب!
أخيرا، توصلت إيران والولايات المتحدة إلى قرار بوقف إطلاق النار المشروط لمدة أسبوعين، يُسمح خلاله بمرور حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وكما هو الحال في معظم الحروب والنزاعات، فإن الانتقال من
حالة "افتحوا النار" إلى قرار "أوقفوا اطلاق النار"، يعكس فقط قرارات السياسيين الارتجالية، وعدم حساسيتهم تجاه الأطفال وآثار الحروب المدمرة والدائمة، على الصحة الجسدية والنفسية للأجيال، ولا يبدو أن السياسيين سيندمون عليها أو يناقشونها على طاولات المفاوضات!
في الحروب، لا يبدأ الخراب حين تسقط القذيفة فتدمر المعمار وتقتل أرواح الأبرياء فحسب، بل حينما يُمحى الحدّ الفاصل بين ما هو إنساني وما هو ممكن افتراضيا. هنا، في هذه المسافة الضيقة بين القرارٍ السياسيّ والقدرة النارية على تنفيذه، تُسحق الطفولة أولاً، دون ضجيجٍ سياسي يوازي فداحة ما يحدث على أرض الواقع، لا بل داخل النفوس المدمرة!
ندوب غائرة لا تُرى فوراً، لكنها تتكوّن ببطء، وتكون عميقةً وراسخة، لدى أطفال كان يفترض أن ينشغلوا بألعابهم، لا بتمييز أصوات الصواريخ ودوي القنابل.
حين اندلعت حرب احتلال العراق في عام 2003، لم يكن ما حدث مجرد تغيير لنظام أو إعادة رسم لمشهد سياسي جديد، بل كان عبارة عن بداية لزمنٍ طويل من القلق المخيم في صدور الصغار قبل الكبار. حيث لم يرث أطفال العراق الحرب فحسب، بل توارثوا تبعاتها عبر أجيال، وبينما بدا الغزو الأميركي للعراق، أشبه بالمراهنة البسيطة لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، ولكنها في الواقع معاناة نفسية بشرية من الخوف الدائم، والفقد المتكرر، والاعتياد القاسي على النقص، ممتدة لعقود ولأجيال. كثيرون منهم كبرو وهم لا يعرفون من الطفولة سوى خيمة مؤقتة، ورغيف خبز يُقسّم بحذر، وصحن أرز بارد يُؤكل بصمت، وكأن الأكل والشرب رفاهية في حد ذاتهما.
في فلسطين على سبيل المثال، حيث يستمر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كجرحٍ مفتوح، تبدو الطفولة مؤجلة إلى أجلٍ غير معلوم. هناك، لا يحتاج الطفل إلى دروس في التاريخ، فالتاريخ يمرّ فوق رأسه كل يوم. يتعلم مبكراً كيف يختبئ، كيف يودّع أحباءه في لحظة، وكيف يحتفظ بصورٍ لا يريدها أن تبقى، لكنها تظل عالقة.
في المخيمات، حيث تتشابه الخيام وتضيق المساحات، يكبر الأطفال وهم يحملون أسئلة أكبر من أعمارهم، عن مصيرهم وحياتهم دون أن يجدوا إجابات.
ما يجمع "أطفال الحروب" على اختلاف جغرافياتهم، ليس فقط الخسارة، بل الاعتياد على الحد الأدنى من ضروريات الحياة. حين تصبح أقسى أحلامهم سقفا يأويهم ولا يتسرّب منه المطر، أو وجبة دافئة في نهاية يومهم الطويل والعصيب، فإن العالم يكون قد أعاد تعريف معنى الكرامة على نحوٍ قاسٍ. هنا، لا تعود المأساة حدثاً طارئاً، تصبح نمط حياة.
الأشد مرارة أن هذه معاناة الأطفال تجري في ظل خطبٍ سياسيّة باردة، يُجيد فيها السياسيون العدّ ولا يُجيدون الإصغاء. وتُختزل لديهم الأرواح في مجرد أرقام "خرساء" وتُدرج الطفولة ضمن “الأضرار الجانبية”، كأنها تفصيل يمكن تجاوزه. لكن أي سياسة تلك التي لا ترى في الطفل مركزاً للحماية، بل هامشاً للخسارة؟
الحرب، لا أخلاق لها. وحين يصرّ السياسيون على طرقها، متجاهلين كل سبل الحلول السلمية، فإنهم يجرّدون قراراتهم من أي ادعاء أخلاقي.
فالأخلاق لا تُقاس بالخطب ولا بالبيانات، بل بالقدرة على حماية الأضعف، وتجنيبهم أن يكونوا وقوداً لصراعات لا يفهمونها. وكل قرارٍ يتجاهل الطفل، هو قرار يوسّع دائرة الخراب، حتى وإن بدا في ظاهره “انتصاراً.
بعد انتهاء الحروب قد تُعاد اعمار المدن، وقد تُرسم خرائط جديدة، لكن ما يهدم بداخل كل طفلٍ عاش الحرب لا يُرمّم بسهولة، تبقى الحرب حيّة، تتجدد في ذاكرته المثقلة بالصدمات والقلق والكوابيس، وفي غول
اسمه الخوفٍ يجثم على صدره ولا يغادر. وهكذا، بينما يعلن الساسة نهاية الحروب على الورق، تستمرّ فعلياً في نفوس أولئك الذين لم يُحسب لهم حساب.
أعتقد شخصيا، أن كل السيناريوهات المتفائلة بشأن الحرب، ليست سوى تجميل لبشاعة قرارات سياسية لاأخلاقية، تخلّف آثاراً مدمرة، قد تمتدّ إلى أجيال ولا يحسب لها حساب.