'أراك عصي الدمع' بين لحنيْن
هذه القصيدة المغنَّاة لها حظ كبير من الشهرة والذيوع والانتشار، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن أم كلثوم غنتها بثلاثة ألحان مختلفة؛ أشهرها لحن رياض السنباطي (1964) من مقام الكورد، والذي أُدخل فيه البيانو لأول مرة في تخت أم كلثوم الموسيقي ليُضفي طابعًا كلاسيكيًّا عالميًّا.
كانت المرة الأولى على أسطوانة أوديون عام 1926 من لحن عبده الحامولي (1836 – 1901) من مقام بياتي، كما تذكر د. رتيبة الحفني في كتابها "أم كلثوم معجزة الغناء العربي" (ص 192)، ثم قام رياض السنباطي (1906 – 1981) بتلحينها عام 1964، فانتشر لحن السنباطي أكثر بين الناس.
وتُعد هذه القصيدة - لشاعرها أبي فراس الحمداني (932 – 968) - نموذجًا فريدًا يجمع بين كبرياء الفروسية ورقّة العشق. وقد جاءت على بحر الطويل (فعولن مفاعيلن ...)، وهو بحر يتميز بالرصانة والقدرة على حمل المعاني العميقة. وقد استبدلت أم كلثوم كلمة "بَلَى" في البيت الثاني بكلمة "نعم" (نعم أنا مشتاق) لتسهيل الفهم اللغوي للجمهور، وتجنب الالتباس بكلمة "بَلاء" التي عندما تخفف همزتها تصبح "بَلا".
تعكس القصيدة فلسفة "الأنفة" أو "الكبرياء" عند الإنسان العربي، حيث يرفض الشاعر إظهار ضعفه حتى في أوج انكساره (الأسر). وهو ما يتماشى مع شخصية أم كلثوم، وموقفها في أغنية مثل "حا سيبك للزمن" (1962) وأغنية "اسأل روحك" (1970).
تطرح "أراك عصي الدمع'' صراعًا فلسفيًّا بين سلطان "الهوى" الذي يأمر وينهى، وبين "كبرياء" النفس التي تأبى الخضوع، مما يخلق توازنًا بين العاطفة الجيَّاشة والصورة الاجتماعية المهيبة. كما تظهر القصيدة فلسفة "نفسي ومن بعدي الطوفان" في بيت ''إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ''، وهي رؤية ذاتية عميقة تعبر عن ربط جودة الوجود بوجود الذات ذاتها.
وجاء الزمن النفسي الحقيقي لينقل النص بين زمنين؛ النهار (زمن الصبر والتظاهر بالقوة أمام الناس) والليل (زمن الضعف الصادق وبسط يد الهوى).
لقد أحيت أم كلثوم نصًّا يعود إلى العصر العباسي، مما يخلق جسرًا زمنيًّا يربط بين فروسية الماضي وحداثة القرن العشرين.
ونلاحظ أن هذه القصيدة المغنَّاة تعبر عن حالة "الكبت الدفاعي"؛ فالشاعر "يعصي" دمعه ويذله أمام الناس ليحافظ على صورته القيادية، لكنه ينفجر داخلياً في الخفاء (تكاد تضيء النار بين جوانحي).
وقد كُتبت هذه القصيدة وأبو فراس في أسر الروم، لذا فهي تحمل شحنات نفسية من الغربة والخذلان (من سيف الدولة)، ورغبة ملحة في إثبات الذات التي عجز الجسد عن تحريرها.
وقد عبَّر لحن السنباطي عن هذه الحالة النفسية من خلال انخفاض الحدة الصوتية في مقاطع "الذلة" (وفيتُ وفي بعض الوفاء مذلةٌ) ليعكس انكسار الروح أمام واقع الغدر.
ومن جماليات القصيدة أن "عصي الدمع" تُعد استعارة مكنية، نرى فيها تشخيص صور الدمع بإنسان عصي. أيضا "للهوى نهي" تعد استعارة مكنية، فيها تشخيص حيث صور الهوى في صورة إنسان ينهى ويأمر. وجمعت القصيدة بين الغزل والفخر.
ولعلنا نستطيع المقارنة بين لحن عبده الحامولي في العشرينيات، ولحن رياض السنباطي في الستينيات لتلك القصيدة، حيث نلاحظ تحول الموسيقى العربية من "التطريب الكلاسيكي" إلى "التعبير الدرامي".
اعتمد الحامولي ''التطريب'' على مقام البياتي، وهو مقام شعبي وقريب للروح المصرية. وكان الهدف هو إبراز "سلطنة" المغني وقدرته على الارتجال والزخرفة الصوتية. وقد لحنها الحامولي بروح "المغني" الذي يُمتع الحضور بجمال صوته وتقلباته المقامية.
أما لحن السنباطي (التعبير الدرامي) فقد اختار فيه مقام الكورد (وهو مقام يخلو من الربع تون)، مما أعطى الأغنية طابعًا عالميًّا "سيمفونيًّا". إن السنباطي لم يسعَ للتطريب فقط، بل لرسم "صورة نفسية" للشاعر الأسير؛ فاللحن هنا يخدم "النص" وليس العكس.
وقد اعتمد الحامولي على التخت التقليدي (عود، قانون، كمنجة، رق) أي اعتمد كليًّا على الآلات الشرقية البحتة التي تتبع صوت المغني (الترديد). أما السنباطي فقد أحدث ثورة بإدخال البيانو في مطلع الأغنية، وهو ما كان صدمة فنية وقتها. ذلك أن البيانو بضرباته القوية أعطى انطباعًا بـ "صلابة" الشاعر و"كبريائه قبل أن يبدأ الغناء الرقيق.
وقد غنت أم كلثوم لحن الحامولي في بداياتها (1926) بأسلوب المشايخ والمنشدين، حيث التركيز على مخارج الحروف والقفلات الطربية التقليدية التي تستدر تواصل الجمهور (الآهات).
ولكن في نسخة السنباطي (1964) كان صوتها قد نضج واستقر في منطقة "القرار" الرخيمة. وقد غنتها بوقار شديد، وكأنها تؤدي "مونولوجًا" مسرحيًّا. وقد لاحظنا في مقطع "وفيتُ وفي بعض الوفاء مذلة"، تنخفض بالصوت لدرجة الهمس لتعبر عن "كسرة النفس"، وهو تكنيك تعبيري لم يكن موجودًا في نسخة الحامولي.
جاء لحن الحامولي دائريًّا ومتكررًا، حيث تُعاد نفس الجملة اللحنية تقريباً على مختلف الأبيات، مما يركز على الحالة المزاجية العامة. أما لحن السنباطي فهو لحن متطور، حيث لكل مقطع شعري جملة موسيقية تختلف حسب المعنى. اللحن يتصاعد في "نعم أنا مشتاق" ويهدأ في "إذا الليل أضواني"، مما يخلق رحلة زمنية ونفسية للمستمع.
نخلص إلى أن لحن الحامولي يجعل المستمع يتمايل مع جمال النغم، أما لحن السنباطي فيجعل المستمع "يتخيل" أبا فراس الحمداني خلف قضبان الأسر وهو يصارع كبرياءه.
وبالنظر إلى البيت:
''معللتي بالوصـل والمـوت دونه ** إذا مت ظمآنـًا فـلا نـزل القطـرُ''
فإنني أراه من أقسى أبيات القصيدة وأعنفها، فهو يمثل ذروة الصراع بين "الأمل الكاذب" و"العدمية". الشطر الأول يبدأ بكلمة "معللتي"، وهي من "العلّة" (المرض) أو "التعليل" (التلهية). هنا نلاحظ حالة من التعذيب النفسي؛ المحبوبة تمنح الشاعر وعودًا باللقاء كمسكِّن للآلام، لكنه يدرك بوعي مرير أن "الموت" أقرب إليه من هذا الوصل.
كما نلاحظ الأنانية المُطلقة (أو النرجسية البطولية) في الشطر الثاني (إذا متُّ ظمآنًا فلا نزل القطرُ)، حيث ننتقل من الرومانسية إلى "العدمية". الشاعر هنا لا يتمنى الخير لمن بعده، بل يربط وجود الكون بوجوده الشخصي. نفسيًّا، هذا يعكس حالة الأسير الذي يشعر أن العالم قد خذله (متمثلا في ابن عمه سيف الدولة الحمداني 916 - 967)، فتمرد على الطبيعة ذاتها.
يطرح البيت إشكالية "الظمأ"؛ فهو ليس ظمأً للماء، بل ظمأ للحرية وللوصل. فلسفة "فلا نزل القطر" تعبر عن وحدة الوجود مع الذات؛ فإذا انعدم الرائي (الشاعر)، انعدم المرئي (المطر/الحياة). هي صرخة إنسان يرفض أن تستمر الحياة بجمالها وهو في غياهب الأسر أو الموت.
وهذا يتماشى مع شخصية أبي فراس الحمداني كفارس من بيت الإمارة، لا كشاعر رومانسي مستسلم. هذا البيت تحديدًا هو إعلان عن "السيادة الذاتية" حتى في لحظات الانكسار، ويمكننا تأصيل هذه القوة من خلال ثلاث نقاط، تتمثل في: "النرجسية البطولية" لا اليأس، حيث نلاحظ أن الضعيف يتمنى الرحمة أو يطلب الشفقة، لكنّ أبا فراس في قوله (فلا نزل القطر) يمارس نوعًا من الهيمنة على القدر. هو يرى نفسه مركز الكون؛ فإذا جفّت عروقه هو، فلا استحقاق للأرض بالريّ. هذه ليست أنانية ضيقة، بل هي "عزة نفس" ترى أن العالم يستمد قيمته من وجوده هو كفارس وشاعر.
من خلال هذا الدعاء، يقطع الشاعر الطريق على أي شخص قد يشفق عليه. هو يقول: "أنا لا أريد قطرة ماء (أو وصلاً) تأتي بعد فوات الأوان". هذه الأنفة هي جوهر القوة؛ أن ترفض العطاء الذي لا يحفظ كرامتك وتوقيتك الخاص.
وهنا تظهر عبقرية أم كلثوم؛ ففي نسخة السنباطي، لم تغنِ هذا البيت بنبرة "باكية" أو منكسرة، بل غنته بنبرة آمرة وحاسمة.
عندما تقول "فلا نزل القطر"، تخرج الحروف (خاصة القاف والطاء) بضغط صوتي قوي، كأنها تضع ختمًا نهائيًّا على حكم بالإعدام للكون من بعدها. هذا الأداء هو الذي حوّل "الدعاء" من تضرع إلى "قرار سيادي".
إن أبا فراس الحمداني في هذا البيت لم يكن يائسًا من الحياة، بل كان مستعليًا عليها أو مستغنيًا عنها. فالموت بالنسبة له أهون من أن يرى الحياة تزدهر لغيره وهو في قيد الأسر والظمأ.
إن كبرياء الشاعر لم يكن مجرد سمة شخصية، بل كان "سلاحًا ذا حدين" أدى تاريخيًّا إلى تأخر فدائه لقرابة أربع سنوات في أسر الروم.
لقد لاحظنا أن أم كلثوم (لحن السنباطي)، لا تغني القصيدة كـ "أسير مستجير"، بل كـ "بطل محاصر". وعكس صوتها نبرة وعيد خفيّة وفخرًا بالذات. هذا الكبرياء الصوتي شعر به سيف الدولة من خلال صوتيات القصيدة نفسها.
ومن السخرية المريرة أن هذا الكبرياء الذي خلّد ذكر أبي فراس الحمداني، وجعل قصيدته تعيش ألف عام لتغنيها أم كلثوم، هو نفسه الذي أطال أيام عذابه في سجون الروم. فقد خشي سيف الدولة من أن تزول مكانته السياسية جراء عودة أبي فراس "المنتصر معنويًّا" من الأسر.
كلمات قصيدة "أراك عصي الدمع":
أراكَ عصيَّ الدمع شيمتك الصبرُ
أما للهوى نهـيٌ عليـكَ ولا أمرُ
نعم أنـا مشتـاقٌ وعنديَ لوعة
ولكن مثلي لا يُذاع له سـرُّ
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى
وأذللتُ دمعًا من خلائقه الكبرُ
تكادُ تضيء النار بين جوانحي
إذا هـي أذكتهـا الصبابة والفكرُ
تُسائلني مـن أنـتَ وهي عليمة
وهل بفتى مثلي علـى حاله نكرُ
مُعللتي بالوصـل والمـوتُ دونه
إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطـرُ
فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا
فقلتُ معاذ الله بل أنـتِ لا الدهرُ
وقلَّبتُ أمري لا أرى لي راحةً
إذا البين اضناني ألحَّ بي الهجرُ.