تصعيد متبادل لا يغلق باب التهدئة بين واشنطن وطهران
واشنطن – رجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إمكانية عقد استئناف المفاوضات مع ايران خلال أيام، مضيفا أن باكستان قد تستضيف جولة جديدة من الحوار بين الجانبين. ورغم عدم تحديد موعد رسمي، فإن مصادر دبلوماسية متعددة أكدت وجود تحركات نشطة لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، في محاولة لإنقاذ مسار تعثر سريعًا بعد جولة أولى غير مثمرة في إسلام آباد مطلع الأسبوع.
وتأتي هذه التطورات رغم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تمثل في فرض حصار أميركي على الموانئ الإيرانية، فيما يعكس هذا التناقض بين التصعيد والانفتاح طبيعة الصراع القائم، حيث تُستخدم أدوات الضغط لتهيئة الأرضية لتسوية محتملة، لا لإغلاق أبوابها.
لكن هذه العودة المحتملة تجري في ظل تصعيد ميداني لافت، حيث فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية، في خطوة تهدف إلى خنق القدرات اللوجستية لطهران والضغط عليها لتقديم تنازلات، خصوصًا في ملفها النووي. وشاركت في هذا الحصار قوات عسكرية كبيرة تضم آلاف الجنود وسفنًا حربية وطائرات، في استعراض واضح للقوة.
وفي المقابل، ردت إيران بإجراءات مضادة، أبرزها فرض قيود مشددة على الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لنقل نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، ليعيد هذا التصعيد المتبادل المخاوف بشأن أمن الطاقة العالمي، لكنه في الوقت ذاته كشف حدود القدرة على الاستمرار في المواجهة دون كلفة اقتصادية باهظة.
ورغم هذه التوترات، أظهرت أسواق النفط قدرًا من التهدئة، حيث تراجعت الأسعار إلى ما دون 100 دولار للبرميل، مدفوعة بإشارات استئناف المسار الدبلوماسي، بينما يظهر هذا التراجع رهان الأسواق على أن التصعيد الحالي قد يكون جزءًا من لعبة تفاوضية، أكثر منه مقدمة لانفجار شامل.
ويبرز الملف النووي كالعقدة الأساسية في المفاوضات، فقد نقلت مصادر مطلعة أن واشنطن طرحت مقترحًا يقضي بتعليق الأنشطة النووية الإيرانية لمدة تصل إلى عشرين عامًا، مع فرض قيود صارمة، وهو ما رفضته طهران، مقدمة بديلًا أقل تشددًا يقضي بتجميد مؤقت يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
وهذا التباين يؤكد على أن الفجوة لا تزال قائمة، لكنها ليست عصية على الردم، خاصة في ظل الحديث عن تقدم نسبي في تضييق نقاط الخلاف خلال المحادثات غير الرسمية.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الصراع قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو تباطؤ حاد، بل وربما ركود، في حال بقيت أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة. كما خفّض توقعاته للنمو، مشيرًا إلى أن حالة عدم اليقين المتزايدة تؤثر سلبًا على الاستثمارات والتجارة العالمية.
وأعادت وكالة الطاقة الدولية تقييماتها لنمو العرض والطلب على النفط، متوقعة تراجعًا في كليهما، ما يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب السوق نتيجة الحرب. وهذا التراجع لا يرتبط فقط بعوامل الإنتاج، بل أيضًا بتغير سلوك الدول المستهلكة التي باتت أكثر حذرًا في ظل التقلبات الجيوسياسية.
ولا يبدو أن هناك إجماعًا على نهج التصعيد، إذ أعلنت دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا رفضها المشاركة في الحصار الأميركي، مفضلة الاكتفاء بدور دفاعي يركز على حماية الملاحة في المضيق. أما الصين، فقد انتقدت الحصار بشدة، معتبرة أنه خطوة خطيرة من شأنها تعميق الأزمة بدل حلها.
وتقف الأزمة عند مفترق طرق دقيق: تصعيد عسكري يضغط باتجاه تنازلات، ومسار دبلوماسي يحاول التقاط لحظة التهدئة قبل أن تضيع. وبين الحصار والمفاوضات، يبدو أن الطرفين يدركان أن كلفة المواجهة المفتوحة قد تفوق مكاسبها، ما يجعل العودة إلى الحوار خيارًا واقعيًا، وإن كان محفوفًا بالتحديات.