الأزمة البحرية بين العراق والكويت قراءة في جذور الخلاف وتداعياته

التوتر الحالي بين العراق والكويت ليس مجرد خلاف تقني حول خرائط بحرية، بل هو انعكاس لتاريخ طويل من الأزمات المرتبطة بالحدود والسيادة.

ظلت العلاقات بين العراق والكويت، على مدى العقود الماضية، محكومةً بتاريخ طويل من التوترات والأزمات التي تركت بصماتها على طبيعة التعامل بين البلدين؛ فالغزو الصدامي للكويت عام 1990 كان نقطة تحول كبرى في مسار هذه العلاقات، إذ خلّف جروحاً سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. ورغم محاولات إعادة بناء الثقة عبر القنوات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، إلا أن الملفات الحدودية، سواء البرية أو البحرية، بقيت تشكل مصدر خلاف دائم.

في مطلع عام 2026، برزت أزمة جديدة تمثلت في إقدام العراق على إيداع خرائطه البحرية لدى الأمم المتحدة، والتي تضمنت إحداثيات لترسيم مجالاته البحرية؛ الأمر الذي اعتبرته الكويت تعدياً على سيادتها البحرية، خصوصاً في مناطق مثل 'فشت القيد' و'فشت العيج'، فيما اتخذت الكويت خطوةً إذ أقدمت على تقديم مذكرة احتجاج رسمية إلى بغداد، مؤكدةً أن هذه الخطوة تتعارض مع الاتفاقيات الدولية ومع قرارات مجلس الأمن التي سبق أن نظمت الحدود بين البلدين، بينما ردت الحكومة العراقية بأن ما قامت به يدخل ضمن حقوقها السيادية وأنه لا يشكل مساساً بحقوق الآخرين.

هذه الأزمة ليست معزولة عن السياق التاريخي للخلاف بين الدولتين الجارتين، إذ أن ملف 'خور عبد الله' ظل منذ سنوات أحد أكثر القضايا حساسية بين الطرفين لما له من أهمية اقتصادية واستراتيجية؛ فهو منفذ بحري حيوي يرتبط بمصالح النقل والطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي خلاف حوله ينعكس مباشرة على الأمن الاقتصادي والسياسي للبلدين، ويدخلهما في دوامة من الخلافات والتي بالتأكيد ستؤثر زمنياً على العلاقة بين الشعبين.

المواقف الإقليمية والدولية تدعو إلى التهدئة، حيث عبرت دول عربية عن تضامنها مع الكويت مطالبةً العراق بإعادة النظر في خطوته وتغليب لغة الحوار، فيما شددت بغداد على أن تحديث بياناتها البحرية شأن داخلي لا يمس سيادة الآخرين، فيما رأت الكويت أن احترام الاتفاقيات الدولية هو الضمان الوحيد لاستقرار العلاقات بين البلدين وأن أي تجاوز سيعيد المنطقة إلى أجواء التوتر التي عانى منها الجميع في الماضي، فيما يرى مراقبون أن ترسيم الحدود السابق تم بدون أي مشاورة مع العراق وتم بقرار فردي من الكويت، وهو الأمر الذي يرفضه العراق ويعده تجاوزاً على السيادة العراقية وحدوده البحرية.

إن تداعيات هذه الأزمة متعددة الأوجه؛ فمن جهة قد يؤدي استمرار الخلاف إلى تصعيد دبلوماسي ينعكس على التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين، ومن جهة أخرى فإن هناك فرصاً للحوار عبر التفاوض المباشر أو عبر وساطات إقليمية يمكن أن تساهم في تقريب وجهات النظر، ما يعني أن استمرار هذا التوتر قد يؤثر على مشاريع التعاون في مجالات الطاقة والنقل البحري وهو ما يشكل خسارة للطرفين في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي.

من الناحية السياسية، يمكن القول إن هذه الأزمة تكشف عن هشاشة الثقة بين العراق والكويت رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الغزو، ورغم وجود اتفاقيات دولية تنظم الحدود، إلا أن غياب التنسيق المستمر وغياب آليات واضحة لحل النزاعات يجعل أي خطوة أحادية الجانب سبباً في إثارة أزمات جديدة؛ ولذلك فإن الحل يكمن في بناء قنوات دائمة للحوار والالتزام بالقانون الدولي بما يضمن حقوق الطرفين ويجنب المنطقة الدخول في دوامة جديدة من الصراع يمكن أن تسبب توتراً مستداماً في المنطقة.

في الخلاصة، فإن التوتر الحالي بين العراق والكويت ليس مجرد خلاف تقني حول خرائط بحرية، بل هو انعكاس لتاريخ طويل من الأزمات المرتبطة بالحدود والسيادة، وهو اختبار جديد لمدى قدرة البلدين على تجاوز الماضي والانطلاق نحو مستقبل قائم على التعاون والاحترام المتبادل. إن الحوار والالتزام بالقانون الدولي يظلان السبيل الأمثل لتجنب التصعيد وضمان استقرار المنطقة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تتطلب وحدة المواقف وتغليب المصالح المشتركة.