واشنطن تزود المغرب بأحدث التكنولوجيات الدفاعية
الرباط - في خطوة تؤسس لمرحلة غير مسبوقة من الاندماج العملياتي، انتقلت الشراكة العسكرية بين الرباط وواشنطن من مربع التعاون التقليدي إلى مستوى الاندماج التقني عالي المستوى من خلال دمج القوات المسلحة الملكية في أحدث التكنولوجيا الدفاعية لحلف شمال الأطلسي "الناتو". ويأتي هذا التطور ليعكس ثقة أميركية عميقة في الدور المحوري الذي تلعبه المملكة كصمام أمان واستقرار في منطقتي شمال إفريقيا والساحل، وهما منطقتان تتسمان بحساسية أمنية بالغة وتعقيدات جيوسياسية متزايدة.
ولم يعد التعاون العسكري بين البلدين يقتصر على التزود بالعتاد، بل انتقل إلى مشاركة أحدث التكنولوجيات الدفاعية التي كانت، حتى أمد قريب، حكراً على دول حلف شمال الأطلسي "الناتو" وشركائها المقربين.
ويُعد دمج القوات المسلحة الملكية المغربية في منظومة "Link-16" تحولاً نوعياً في العقيدة القتالية للمملكة؛ فهذا النظام يمثل "العمود الفقري" للعمليات الحديثة، حيث يتيح للوحدات الجوية والبحرية والبرية مشاركة الصور الميدانية والبيانات التكتيكية في "الزمن الحقيقي".
وعلاوة على ذلك، يمنح هذا النظام الجيش المغربي حصانة متطورة ضد التشويش من خلال اتصالات مشفرة وآمنة عالية التردد، مما يضمن استمرارية القيادة والسيطرة في أعقد ظروف القتال. وقد أثبتت نجاعة الاختبارات التي أُجريت في أكادير خلال فبراير/شباط الماضي أن الجيش المغربي بات قادراً على "التحدث" عسكرياً وتقنياً بنفس اللغة التي تعتمدها الجيوش الأميركية والأوروبية، مما يمهد الطريق لعمليات مشتركة بسلاسة وفعالية أكبر.
ولم تتوقف هذه الثقة عند نقل التكنولوجيا، بل امتدت لتجعل من المغرب مركزاً إقليمياً لتعزيز القدرات الدفاعية في القارة السمراء. ويتجسد ذلك في المشروع الطموح لإنشاء مركز تدريب متخصص في "الدرون" (الطائرات دون طيار)، الموجه لفائدة المشغلين من مختلف الدول الإفريقية. ومن المقرر أن تنطلق النواة الأولى لهذا المشروع خلال مناورات "الأسد الإفريقي 2026".
وتطمح واشنطن، عبر القيادة الأميركية في إفريقيا "أفريكوم"، إلى خلق نموذج تدريبي في المغرب قابل للتعميم في مناطق أخرى من القارة، مما يكرس المملكة كـ"مدرسة عسكرية" رائدة بمواصفات عالمية، قادرة على تصدير الخبرة الأمنية وتوطين التكنولوجيا الحديثة.
ولا يعد الحديث المتصاعد في الأوساط الأميركية حول إمكانية استضافة المغرب للمقر المستقبلي لقيادة "أفريكوم" وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمي لسنوات من العمل المشترك. فاستقرار المملكة وسط محيط مضطرب يجعلها الشريك الأكثر أماناً للاستثمارات العسكرية الاستراتيجية بعيدة المدى. كما حوّل النجاح المتواصل لمناورات "الأسد الإفريقي" مدينة أكادير والمنطقة الجنوبية إلى مركز ثقل للتخطيط الاستراتيجي العابر للقارات.
ويؤكد استثمار المغرب في أنظمة متطورة مثل محطات "MIDS"TRS" بتكلفة تجاوزت 140 مليون دولار، بالتوازي مع الدعم التقني الأميركي، أن العلاقة بين الطرفين قد تجاوزت مفهوم "التحالف التقليدي" لتتحول إلى شراكة اندماجية.
ولا يقتصر هذا التعاون على تقوية الدفاعات المغربية فحسب، بل يمنح حلف الناتو والولايات المتحدة شريكاً موثوقاً يمتلك الأدوات واللغة التقنية ذاتها، لتأمين المصالح الاستراتيجية المشتركة في منطقة تقع في قلب الأمن القومي العالمي.