ترياق مضاد للشيخوخة بحفنة دولارات!

دراسة أميركية تكشف ان تناول الفيتامينات المتعددة يوميا قد يُبطئ الشيخوخة البيولوجية وتراجع الذاكرة لدى كبار السن بمعدل طفيف.

واشنطن – في خطوة جديدة ضمن واحدة من أوسع الدراسات طويلة المدى حول المكملات الغذائية والشيخوخة، كشفت نتائج حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر ميديسين" العلمية عن أن تناول الفيتامينات المتعددة يوميا قد يرتبط بتباطؤ طفيف في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية لدى كبار السن، وفق ما أظهره مشروع بحثي ضخم يحمل اسم "كوزموس" (COSMOS) أجرته فرق علمية أميركية على مدى سنوات.

وتعيد النتائج فتح نقاش علمي قديم حول الفيتامينات المتعددة، التي تعد خيارا صحيا زهيد الثمن، بين من يعتبرها مكملات غير ضرورية ومن يرى فيها أداة محتملة لإبطاء بعض مظاهر التقدم في السن.

وتشير الدراسة الحديثة إلى أن تناول الفيتامينات المتعددة يوميًا لا يؤدي إلى عكس الشيخوخة، غير أن هناك أدلة ناشئة على أنها قد تُبطئ بعض مؤشرات التدهور البيولوجي، وهو ما دفع باحثين مشاركين في الدراسة إلى إعادة تقييم الموقف العلمي التقليدي الذي كان يصف هذه المكملات في السابق بأنها "بول باهظ الثمن"، في إشارة إلى الاعتقاد السائد بأن الجسم يتخلص من الفائض منها دون فائدة تُذكر.

وتأتي أهمية مشروع "كوزموس" من كونه من بين القليل من الدراسات التي انتقلت من الأدلة الرصدية، التي كانت تربط بين تناول الفيتامينات والصحة الجيدة دون إثبات علاقة سببية واضحة، إلى تجربة سريرية محكمة شملت عشرات الآلاف من المشاركين من كبار السن، تم توزيعهم عشوائيًا بين من يتناولون فيتامينات متعددة يومية ومن يتلقون أقراصًا وهمية مطابقة في الشكل، ضمن تصميم مزدوج التعمية يضمن تقليل الانحياز إلى الحد الأدنى.

ليس بولا باهظ الثمن

وشملت التجربة مشاركين من الرجال الذين تجاوزوا سن الستين والنساء فوق الخامسة والستين، حيث استخدمت تركيبة فيتامينات قياسية متوفرة في الأسواق، بما يعادل منتجات شائعة مثل "سنتروم 50+" في بعض الأسواق، وهو ما أعطى الدراسة طابعًا واقعيًا أقرب إلى الاستخدام اليومي الفعلي لهذه المكملات.

وفي المراحل الأولى من المشروع، لم تُظهر النتائج المنشورة في عام 2022 تأثيرا واضحًا للفيتامينات المتعددة على معدلات السرطان أو أمراض القلب، رغم تسجيل انخفاض طفيف في الوفيات الإجمالية بنسبة تقارب 7 بالمئة، إلا أن الباحثين اعتبروا تلك النتيجة غير حاسمة إحصائيا بسبب محدودية القدرة على استبعاد الصدفة.

غير أن التحول الأبرز جاء مع الدراسات المعرفية اللاحقة، التي أشارت إلى تباطؤ نسبي في تراجع الذاكرة والوظائف الإدراكية لدى بعض المشاركين، خصوصًا في مجالات الذاكرة العرضية والقدرات المعرفية العامة، قبل أن يفتح التحليل الأحدث الباب أمام زاوية أكثر تعقيدًا تتعلق بالشيخوخة البيولوجية نفسها.

ويعتمد هذا التحليل على قياس ما يُعرف بتغيرات "مثيلة الحمض النووي"، وهي علامات كيميائية دقيقة على الجينات تُستخدم لتقدير ما يُعرف بـ“الساعات البيولوجية”، أي العمر الحقيقي للخلايا مقارنة بالعمر الزمني للفرد. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا الفيتامينات المتعددة تقدموا في العمر بوتيرة أبطأ خلال فترة متابعة امتدت لنحو عامين، مع فارق تقديري يقارب ثلاثة أشهر أقل من الشيخوخة البيولوجية مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.

كما أظهرت البيانات أن الفائدة كانت أكثر وضوحا لدى المشاركين الذين كانت ساعاتهم البيولوجية في بداية الدراسة متقدمة على أعمارهم الزمنية، ما يشير إلى أن التأثير ليس موحدًا، بل يعتمد على الحالة البيولوجية الأولية لكل فرد.

ويذهب بعض الباحثين المشاركين في التحليل إلى تفسير هذه النتائج بحذر، مرجحين أن الفيتامينات المتعددة لا تعمل كعامل "سحري" مضاد للشيخوخة، بل قد تسهم في تصحيح اختلالات غذائية دقيقة ومتراكمة لا يتم رصدها عادة في الفحوصات الروتينية، حيث يمكن أن يؤثر النقص الطفيف والمزمن في المغذيات الدقيقة على عمليات إصلاح الخلايا، وتنظيم الالتهابات، ووظائف الدماغ على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، يشير أنصار هذا التوجه العلمي إلى أن التركيز الطبي التقليدي كان منصبا لعقود على العلاجات الدوائية والجراحية والجينات، بينما بدأت التغذية تُفهم تدريجيا كعامل أساسي في تحديد مسار الصحة مع التقدم في العمر، وهو ما يعيد إحياء نقاش قديم حول دور المكملات الغذائية في الوقاية وليس فقط العلاج.

ومع ذلك، يحذر باحثون مستقلون من المبالغة في تفسير هذه النتائج، مؤكدين أن التأثيرات المرصودة تبقى محدودة من حيث الحجم الإحصائي، وأنها لا ترقى إلى إثبات قدرة الفيتامينات المتعددة على إبطاء الشيخوخة بشكل سريري واضح أو على تغيير معدلات الأمراض الكبرى مثل السرطان أو أمراض القلب.

ورغم هذا الحذر العلمي، يرى بعض الأطباء المشاركين في الدراسة أن هذه النتائج تمثل تحولا تدريجيا في النظرة إلى المكملات الغذائية، حتى وإن لم تصل بعد إلى مستوى التوصيات الطبية العامة، معتبرين أنها قد تشكل خيارًا منخفض المخاطر نسبيًا لدى فئات معينة من كبار السن.

وفي النهاية، يبقى الإجماع العلمي الحالي أقرب إلى التوازن بين الحذر والانفتاح، حيث لم تعد الفيتامينات المتعددة تُصنَّف كخيار عديم الجدوى، لكنها في الوقت ذاته لم تُعتمد بعد كوسيلة مثبتة لإبطاء الشيخوخة، في انتظار مزيد من الدراسات الأطول والأوسع نطاقا التي قد تحسم هذا الجدل المتجدد داخل الأوساط الطبية.