الأزمات.. أين الحل؟
الأزمات الفكرية والاقتصادية والمكانية والاجتماعية والتاريخية والإدارية والعسكرية والسياسية والمنصبية، وأزمة الجوع والنور والبطالة والهجرة والنزوح وغيرها كثير، لا شك أن كل دولة فيها أزمات، ولكن في العراق هذه الأزمات تجتمع في آن واحد، فمنذ عام 2003 والعراق يعيش أزمات، ويوماً بعد يوم تكثر الأزمات وتختلف، وتعددت مصادرها وأسبابها ونشوؤها.
أغلب الناس كانت تحلم بالسلام والأمان والعيش الرغيد والكرامة المصونة بعد الحروب والدمار والخراب الأخلاقي أولاً ثم البنيوي ثانياً، خاصة مع وجود المصادر والثروات الغنية التي وهبها الله للعراق ولا تُحصى، من أرض خصبة ونهري دجلة والفرات والنفط والمعادن النادرة.
إذا عرفنا الأزمة بشكل بسيط، فهي حادثة ووضع مفاجئ وطارئ يقلب الموازين العادية ويهدد الاستقرار والأمن والسلام، ومثل هذه الحالة تحتاج إلى قرار إيجابي سريع، وإذا لم تُحل الأزمة بسرعة ستكون النتائج خطيرة من عدم التوازن والاضطراب والفوضى في البلد أو مؤسسة ما وحتى على مستوى الفرد، فالأزمات مفاجئة غير متوقعة، أو يكون وجودها ظاهراً لكن ليس مؤثراً في البداية.
وعدم اتخاذ قرار قصير وسريع في وقتها يخلق ضغطاً عالياً باستمرارها، وتتجلى خطراً على الاستقرار والحياة، فالتأخير يؤزم ويعقد ويفاقم.
الفرق بين المشكلة والأزمة: المشكلة محدودة، وإذا حُلّت انطفأت في مكانها، مثلاً انقطاع الكهرباء لساعتين، وغلاء سعر أمبير الكهرباء المستمر، وتوقف الرواتب، فهي ناقوس خطر، لكن يمكن إيجاد الحل، لكن إن استمرت وتأزمت تخلق أزمة، ناهيك عن الأزمات المفاجئة.
عندما تتقبل الأزمات وتتعامل معها إيجابياً، وتجعل مصلحة الفرد والبلد من الأولويات، حينها تُطوّق العناصر التي تتعرض لأزمة أو تهديد بالانهيار، وتجد الحل بكلمات بسيطة مركزة ومحفزة، وتُكيّف طاقة الأزمة العالقة لإفساح المجال للسيطرة على الأزمة والحل.
ولا شك أن الأزمات الداخلية التي طال أمدها دون حل، مثل الكهرباء والماء وتأخير الرواتب والبطالة والفقر والفارق الشاسع بين الطبقات المجتمعية، تكون معقدة، لأن استمرارها الطويل يرتبط بالإدارة السياسية والاقتصادية والأمنية، وإيجاد حل سحري واحد يحتاج إلى قرار حذر.
فأزمة الكهرباء تعتمد على شبكات قديمة، وهدر في الوقود المستورد، وتفشي الفساد والأنانية الشخصية التي تهتم فقط بالإيرادات، تاركين البلد والمجتمع والفرد في فوضى الأزمات، فإن وُجدت البدائل وتنوعت مصادر الطاقة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والغاز المحلي، مع الابتعاد عن الربط العشوائي وفرض رقابة دائمة، يمكن التخفيف من الأزمة.
وكذلك أزمة الماء المرتبطة بسدود دول الجوار ونهري دجلة والفرات، وقلة السدود في زمن شح الأمطار أو غزارتها، وشبكات قديمة ضعيفة تفقد المياه، وعدم تطبيق اتفاقيات مائية عادلة مع دول الجوار، وضعف صيانة الشبكات وتحلية ومعالجة المياه، حيث توجد مناطق وقرى ونواحٍ قريبة من النهرين تعتمد على مياه الآبار.
أما تأخير الرواتب، فيعود إلى الاعتماد على موازنة النفط فقط، مع الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل، فأين تنوع الإيرادات من الصناعة والزراعة والضرائب والسياحة والسيطرة على الفساد أو تقليله، ووضوح الاتفاقيات؟ وأما البطالة، فترتبط باقتصاد وقطاع خاص ليس بالمستوى المطلوب، ومخرجات تعليم لا تناسب سوق العمل، وزيادة هجرة العقول المنتجة، في وقت البلد في أمس الحاجة لهم.
فبالإمكان دعم المشاريع الصغيرة بقروض بسيطة، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي، وربط التعليم بسوق العمل، ودعم شريان البلد في قطاعات الصناعة والزراعة والقطاع الخاص، وتعزيز ثقافة الإنتاج والإبداع والتجارة الإلكترونية، والمطالبة بكشف حسابات المشاريع، وربط بقاء المسؤول بالإنجاز بعيداً عن الواسطة والخطابات، وترشيد الاستهلاك إعلامياً وإدارياً، والحد من هدر الكهرباء والماء.
لا يمكن معالجة الخطأ بخطأ آخر، فالأزمات والمشكلات لا تُحل بوعود وخطابات، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تثبت وجودها، ومحاسبة الفاسدين، ووضع خطة اقتصادية لخمس أو عشر سنوات. وبالنسبة لإقليم كردستان، فإن مفتاح حل أزمتي الرواتب والكهرباء يكمن في ملف النفط والموازنة، فإذا حُلّت بعض الأزمات حُلّت أخرى، مع تطبيق مبدأ "الرجل المناسب في المكان المناسب".