قلق خليجي من مساومة تُبقي هرمز في قبضة إيران
لندن - تتصاعد في أوساط دول الخليج مخاوف متزايدة من أن تتحول المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران إلى بوابة لترسيخ نفوذ إيران على مضيق هرمز، بدلاً من أن تكون مدخلاً لخفض التصعيد الشامل في المنطقة، فبينما يُفترض أن تقود هذه المحادثات إلى تسوية أوسع، يرى مسؤولون ومحللون أن سقفها قد لا يتجاوز إعادة فتح المضيق، وهو ما يعد مكسباً محدوداً قياساً بحجم التوترات القائمة.
وتشير التقديرات إلى أن جولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد ستركز بشكل متزايد على قضايا تخصيب اليورانيوم وآليات التعامل مع نفوذ إيران في المضيق، أكثر من تركيزها على برنامج الصواريخ أو أذرع طهران الإقليمية. وهذا التحول في الأولويات يثير قلق دول الخليج التي ترى فيه اختزالاً للأزمة في بعدها الاقتصادي العالمي، على حساب التهديدات الأمنية المباشرة التي تواجهها.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يمنحه وزناً استراتيجياً استثنائياً، غير أن هذا الوزن نفسه بات، وفق الرؤية الخليجية، أداة ضغط بيد إيران، التي تصفه بأنه "أصل ذهبي" لا يمكن انتزاعه منها، بل يمثل ركيزة لنفوذ جغرافي طويل الأمد. وتذهب مصادر إيرانية إلى أن طهران أعدّت لسنوات سيناريوهات استخدام المضيق كأداة ردع، معتبرة أنه سلاح فعّال دون الحاجة إلى تجاوز العتبة النووية.
وعكست تصريحات نائب الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف هذا التصور، حين اعتبر أن مضيق هرمز يمثل "سلاحاً" بحد ذاته، قادر على التأثير في موازين القوى. كما يرى محللون أن كسر المحظورات التقليدية المرتبطة باستخدام المضيق خلال الحرب الأخيرة جعله ورقة تفاوضية واقعية، بعد أن كان يُنظر إليه سابقاً كخط أحمر لا يُمس.
لكن جوهر القلق الخليجي لا يتعلق فقط بالسيطرة على المضيق، بل بمن يضع قواعد المرور فيه، فهناك خشية من انتقال النظام البحري من إطار القوانين الدولية إلى منطق موازين القوى، بما يكرّس نفوذ إيران ويهمش دور الدول المطلة على الخليج. وترى ابتسام الكتبي أن ما يجري لا يمثل تسوية تاريخية بقدر ما هو "هندسة لصراع مستدام"، حيث يتم ضبط التوتر بدلاً من حله.
وتزداد هذه المخاوف مع ما تعتبره دول الخليج تراجعاً في أولوية ملفات الصواريخ والوكلاء، رغم كونها تمثل تهديداً مباشراً لأمنها، فالهجمات التي طالت البنية التحتية للطاقة وارتفاع تكاليف التأمين والتصدير خلال الحرب الأخيرة كشفت حجم الهشاشة الاقتصادية والأمنية في آن واحد.
وتبدو مفاوضات واشنطن وطهران وكأنها تسير على حبل مشدود فوق مياه هرمز: توازن دقيق بين تهدئة مطلوبة ونفوذ متصاعد.
ويدعو دبلوماسيون خليجيون إلى نهج تدريجي في تخفيف العقوبات عن إيران، يربط أي مكاسب اقتصادية بتغيير ملموس في سلوكها الإقليمي. كما يطالبون بإشراك دول المنطقة في صياغة أي اتفاق، بدلاً من تركها تتحمل تبعات قرارات لا تشارك في صنعها.
ورغم حالة الاستياء، تدرك دول الخليج أن الولايات المتحدة لا تزال لاعباً محورياً في أمن المنطقة، بفضل قدراتها العسكرية المتفوقة وأنظمة الدفاع التي وفرتها لحلفائها، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت أيضاً حدود الاعتماد على طرف واحد، كما أشار محللون، ما يعزز الدعوات إلى تنويع الشراكات الأمنية.
وبينما تأمل القوى الكبرى في احتواء الأزمة، تخشى دول الخليج أن يتحول هذا الاحتواء إلى واقع دائم يعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة دون أن يبدد مصادر القلق الأساسية.