تحوّلات التسامح: من السيادة الليبرالية إلى العدالة التأويلية

مقاربة ايتيقية تتأرجح بين الحق المدني المحدود والاعتراف الوجودي بالآخر، محكومةً بضوابط العدالة والكرامة الإنسانية، بين فولتير وجون لوك وبول ريكور.

التسامح هو أحد أعمق الإشكاليات الأخلاقية في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، إذ إنه ليس مجرد موقف سياسي أو قانوني يسمح بالاختلاف، بل هو موقف أخلاقي وجودي يتعلق بكيفية التعامل مع ''الآخر'' في سياق الاختلاف العقدي أو الثقافي أو السياسي. التسامح يثير سؤالاً مركزياً: ما هي الحدود التي يجب ألا يتجاوزها التسامح حتى لا يتحوّل إلى تواطؤ مع الشر أو إلى ضعف أخلاقي؟ هذه الدراسة تقدم مقاربة إيتيقية معمقة وموسعة وتفصيلية لمفهوم التسامح وحدوده عند ثلاثة فلاسفة يمثلون مراحل تاريخية وفكرية متميزة: جون لوك (القرن السابع عشر) كمؤسس للليبرالية السياسية، فولتير (القرن الثامن عشر) كرمز للتنوير الفرنسي الراديكالي، وبول ريكور (القرن العشرين) كفيلسوف تأويلي يربط بين الأخلاق والاعتراف بالآخر. المقاربة الإيتيقية هنا تركز على البُعد الأخلاقي: كيف يُبرر كل فيلسوف التسامح أخلاقياً، وأين يضع حدوده، وما هي النتائج الأخلاقية لهذه الحدود في مواجهة الشر والعنف والظلم؟ وكيف يمكن التعامل مع التسامح كإشكالية أخلاقية مركزية؟

الدراسة تفترض أن التسامح ليس قيمة مطلقة، بل قيمة مشروطة بمبدأ أعلى: العدل الأخلاقي والحفاظ على الكرامة الإنسانية. سنفكك مفهوم كل فيلسوف، ثم نقارنهما، وأخيراً نستخلص دلالات إيتيقية معاصرة.

أولاً: جون لوك والتسامح كحق مدني محدود

في رسالته الشهيرة ''رسالة في التسامح'' ( ١٦٨٩)، يُؤسس لوك التسامح على أساس ليبرالي يفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية. التسامح عنده ليس رحمة أو تساهلاً، بل حق مدني يحمي حرية الضمير. الدولة لا تملك الحق في فرض عقيدة دينية، لأن الإيمان أمر داخلي لا يخضع للقسر الخارجي. لكن لوك يضع حدوداً صارمة جداً لهذا التسامح، وهي حدود أخلاقية وسياسية في آن واحد:

الحد الأول: من ينكر وجود الله أو يرفض الخلود (الملحدون) لا يستحق التسامح، لأنهم -في رأيه- يُقوّضون أساس العهد الاجتماعي القائم على الخوف من الله والوعد بالآخرة.

الحد الثاني: الكاثوليك (في سياقه الإنجليزي البروتستانتي) لا يستحقون التسامح الكامل لأنهم يعترفون بسلطة البابا الخارجية، مما يُشكل تهديداً للسيادة المدنية.

الحد الثالث: أي جماعة تُعلن عدم التزامها بقوانين الدولة أو تُروج للعنف باسم الدين تُستثنى من التسامح.

من الناحية الإيتيقية، يرى لوك أن التسامح يخدم العدل لأنه يحمي الحرية الشخصية، لكنه يُقيده بالحفاظ على النظام الاجتماعي. النقد الإيتيقي هنا يكشف تناقضاً: لوك يبدأ بمبدأ الحرية المطلقة للضمير ثم يُقيده بمعايير دينية وسياسية، مما يجعل التسامح أداة للدولة البروتستانتية أكثر منه مبدأ أخلاقياً كونياً.

ثانياً: فولتير والتسامح كشجاعة عقلية راديكالية

في ''رسالة في التسامح'' ( ١٧٦٣) التي كتبها بعد قضية كالاس، يُوسع فولتير مفهوم التسامح ليجعله شعاراً تنويرياً راديكالياً. التسامح عنده ليس مجرد حق مدني، بل هو فضيلة عقلية وأخلاقية: ''أنا لا أوافق على ما تقول، لكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله''. نطاق التسامح عند فولتير أوسع بكثير من لوك:
يشمل الملحدين واليهود والمسلمين والمسيحيين من كل الطوائف.

يرفض أي استثناء ديني أو سياسي يُقيد حرية التعبير أو الاعتقاد.

لكنه يضع حدوداً أخلاقية واضحة:

الحد الأخلاقي: التسامح لا يمتد إلى «التعصب» نفسه. من يدعو إلى العنف أو الاضطهاد باسم الدين أو العقيدة لا يستحق التسامح، بل يجب مواجهته بالعقل والقانون.

الحد السياسي: التسامح لا يعني السماح للكنيسة أو أي مؤسسة دينية بالسيطرة على الدولة.

من الناحية الإيتيقية، يُبرر فولتير التسامح بالعقل الإنساني المشترك والرحمة تجاه الضعف البشري. النقد الإيتيقي يكشف أن تسامحه يعتمد على تفوق العقل التنويري، مما يجعله أحياناً متعالياً تجاه الديانات التقليدية. كما أنه يفتح الباب أمام تسامح «سلبي» قد يتحول إلى لامبالاة أخلاقية تجاه الشر.

ثالثاً: بول ريكور والتسامح كاعتراف بالآخر

في فلسفة بول ريكور التأويلية والإيتيقية، يتحول التسامح من مجرد ''السماح بالبقاء'' إلى ''الاعتراف بالآخر''. في كتاباته مثل ''عين الذات كآخر'' و''الذاكرة والتاريخ والنسيان''، يرى ريكور أن التسامح هو لحظة أخلاقية تتطلب ''العدالة'' و''الرحمة'' معاً. نطاق التسامح عنده أعمق:

يشمل الاعتراف بالآخر في هويته الثقافية والدينية والسياسية، حتى لو كانت مختلفة جذرياً.

يتجاوز الحرية الفردية إلى ''العدالة التأويلية'' التي تُعيد بناء الذاكرة المشتركة.

حدوده عند ريكور أخلاقية صارمة:

حد العدالة: التسامح لا يمتد إلى الشر الذي ينكر كرامة الإنسان (مثل الإبادة الجماعية أو التمييز العنصري).

حد الاعتراف المتبادل: التسامح يتطلب أن يعترف الآخر أيضاً بكرامتك، وإلا تحول إلى استسلام أخلاقي.

من الناحية الإيتيقية، يُقدم ريكور نموذجاً ''تأويلياً'' يجعل التسامح عملية حوارية مستمرة بين الذات والآخر، لا مجرد موقف سلبي. النقد يكشف أن هذا النموذج أكثر عمقاً أخلاقياً، لكنه يتطلب مجتمعات ناضجة قادرة على الحوار، وهو ما يجعله أقل تطبيقية في سياقات الصراع العنيف.

رابعاً: المقارنة النقدية – التشابهات والاختلافات الأخلاقية

في النطاق: لوك محدود (يستثني الملحدين والكاثوليك)، فولتير أوسع (يشمل الجميع إلا المتعصبين)، ريكور أعمق (يشمل الاعتراف الوجودي بالآخر).

في الحدود: لوك يضع حدوداً سياسية-دينية، فولتير حدوداً عقلانية ضد التعصب، ريكور حدوداً أخلاقية قائمة على العدالة والكرامة.

في البعد الإيتيقي: لوك عملي-سياسي، فولتير عقلاني-تنويري، ريكور تأويلي-اعترافي. الثلاثة يتفقون على أن التسامح مشروط، لكن ريكور يُعطيه بعداً أخلاقياً أكثر شمولاً.

خامساً: الدلالات الإيتيقية المعاصرة

في عصرنا الذي يشهد تصاعد التعصب الديني والسياسي والثقافي، يظل التسامح إشكالية أخلاقية مفتوحة. لوك يُذكرنا بأهمية الفصل بين الدين والدولة، فولتير يُذكرنا بشجاعة الدفاع عن حرية التعبير، وريكور يُذكرنا بأن التسامح الحقيقي يتطلب اعترافاً متبادلاً بالكرامة. التحدي الأخلاقي هو كيف نجمع بين الثلاثة: نسمح بالاختلاف، ندافع عن حرية التعبير، ونعترف بالآخر دون أن نسمح للتعصب أو الظلم بالنمو.

التنوير عند لوك وفولتير وريكور يُظهر أن التسامح ليس قيمة مطلقة، بل فضيلة أخلاقية مشروطة بالعدالة والكرامة الإنسانية. حدوده الأخلاقية هي ما يحميه من التحول إلى تواطؤ مع الشر. في عصرنا، يبقى التسامح تحدياً يتطلب شجاعة عقلية وأخلاقية: الجرأة على التسامح مع الآخر دون الاستسلام له، والجرأة على وضع الحدود عندما يهدد التعصب الكرامة الإنسانية. هذا هو الدرس الإيتيقي الأعمق الذي يتركه الثلاثة لنا: التسامح ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسؤولية أخلاقية مستمرة تجاه الآخر والذات والمجتمع. فكيف يكون التسامح فضيلة أخلاقية مشروطة؟