أربعة مرشحين ورؤى متباينة لقيادة الأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة المقبل تتنظره مهمة ضخمة تتمثل في إعادة تنشيط منظمة تعاني من أزمة وتضاءلت مكانتها في السنوات الأخيرة.

نيويورك - ستعقد جلسات مناقشة للمرشحين الأربعة المتنافسين على منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة يومي الثلاثاء والأربعاء بشأن أفكارهم ومقترحاتهم ‌لقيادة المنظمة العالمية المثقلة بالمشكلات اعتبارا من العام المقبل.

وسيتولى الأمين العام العاشر للأمم المتحدة المنصب لخمس سنوات تبدأ في أول يناير/ كانون الثاني 2027. وتتنافس ميشيل باشيليت من تشيلي، ورافائيل جروسي من الأرجنتين، وريبيكا جرينسبان من كوستاريكا، وماكي سال من السنغال على قيادة المنظمة التي تضم 193 عضوا لولاية قابلة للتجديد مرة واحدة.

ورغم أن هذه هي الأسماء المرشحة المعلنة حتى الآن، إلا أنه يمكن انضمام أسماء أخرى للسباق خلال الأشهر المقبلة.

ورافائيل جروسي دبلوماسي أرجنتيني مخضرم يبلغ من العمر 65 عاما ويشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة منذ ست سنوات لافتا الأنظار ​بحضوره المكثف ونشاطه الكبير.

وفي حين ظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب منذ وقت طويل البرنامج النووي الإيراني، قاد جروسي مفاوضات هدفت إلى إنقاذ أجزاء من الاتفاق ‌النووي المهم بين طهران والقوى الكبرى بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب بلاده منه في 2018. ويقول منتقدو جروسي إنه ذهب بعيدا أكثر من اللازم في محاولته إبرام تفاهمات مع إيران.

وعزز جروسي، وهو أب لثمانية أبناء ويجيد عدة لغات من بينها الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية، مكانته ووضع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال دبلوماسيته المكوكية في الأزمات الدولية.

وكان من أبرز نجاحاته التمكن من إرسال فريق صغير من الوكالة إلى محطة زابوريجيا للطاقة النووية في ​أوكرانيا التي تسيطر عليها روسيا، وذلك بعد رحلات متكررة عبر خطوط الجبهة خلال الحرب الروسية الأوكرانية.

رافائيل جروسي
رافائيل جروسي

ويسعى جروسي في هذا السباق إلى ترسيخ صورة رجل الأفعال لا الأقوال. ويرى كثيرون ​من الدبلوماسيين أنه المرشح الأوفر حظا بعد سنوات أمضاها في محاولة الحفاظ على دعم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة وروسيا ⁠والصين وبريطانيا وفرنسا، إذ إن تأييدهم حاسم للفوز بأعلى منصب في الأمم المتحدة.

وجاء في بيان يشرح رؤيته للمنصب "تؤكد هذه الخبرات قناعة راسخة لدي: حتى في أوقات الانقسام، تستطيع المؤسسات متعددة الأطراف ​أن تحقق أثرا حقيقيا وإيجابيا".

من جهتها، تقدم ريبيكا جرينسبان، البالغة من العمر 70 عاما، نفسها باعتبارها مؤمنة بالتعددية وتسعى إلى الإصلاح، وتقول إنها واجهت عوائق قائمة على النوع الاجتماعي وإنها تحمل إيمانا راسخا ​منذ زمن طويل بالأمم المتحدة وبالتزامها بالسلام والتنمية وحقوق الإنسان.

وقالت جرينسبان، وهي نائبة سابقة لرئيس كوستاريكا وترأس مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، إنها تنحت عن مهامها حتى سبتمبر/ أيلول لتجنب تضارب المصالح خلال الحملة الانتخابية. أما جروسي فيواصل أداء مهامه في الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال حملته.

وولدت جرينسبان لأبوين فرا من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وتربط رؤيتها للعالم مباشرة بجذور الأمم المتحدة ودورها في التعاون الدولي والحيلولة دون نشوب الصراعات.

وفي حال انتخابها، ستصبح ​جرينسبان أول امرأة تتولى منصب الأمين العام. وقالت إنه رغم اضطرارها إلى إجراء مفاضلات بين الحياة الأسرية والخدمة العامة في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن كونها أول امرأة تتولى هذا المنصب ​ترك بصمة على أسلوبها القيادي. وقالت لرويترز "لا أنتظر معاملة خاصة. أنشد المعاملة على قدم المساواة".

ريبيكا جرينسبان
ريبيكا جرينسبان

وتصف جرينسبان، وهي خبيرة اقتصادية، نفسها بأنها "قائدة ناضجة" ستجعل الأمم المتحدة أكثر مرونة من خلال التعاون مع أطراف أخرى، مع الدفاع عن ‌قيمها الأساسية.

أما ميشيل باشليه، البالغة 74 عاما، فهي رئيسة سابقة لتشيلي لفترتين ومفوضة الأمم المتحدة السامية السابقة لحقوق الإنسان، وشغلت أيضا منصب المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الفترة من 2010 إلى 2013، وهي وكالة معنية بتعزيز حقوق النساء.

وفي مارس/ آذار، سحبت تشيلي دعمها لباشليه بعد تحول القيادة في البلاد نحو اليمين، لكنها قالت إنها ستمضي قدما بدعم من البرازيل والمكسيك.

وقالت حكومة الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست إن حملتها تفتقر إلى توافق سياسي واسع داخل البلاد، فضلا عن أن فرصها الدولية ضعيفة.

وواجهت باشليه انتقادات من محافظين أميركيين بسبب موقفها المؤيد لحق الإجهاض. وفي أبريل/ نيسان بدا أن مبعوث واشنطن لدى الأمم المتحدة ​مايك والتس يوجه ضربة لترشحها عندما قال إنه ​يتفق مع مخاوف أحد أعضاء مجلس الشيوخ ⁠الأميركي بشأن مدى ملاءمتها للمنصب.

ميشيل باشليه
ميشيل باشليه

واتهم السناتور الجمهوري بيت ريكيتس باشليه بأنها خففت لهجتها عندما كانت مفوضة لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وذلك في تقرير صدر في 2022، من خلال الإحجام عن وصف ما مارسته الصين بحق مسلمي قومية الويغور بأنه إبادة جماعية، واتهمها أيضا بالترويج للإجهاض باعتباره أحد حقوق الإنسان ​الأساسية. ولم تعلن بكين موقفها من ترشحها.

بدوره، يؤكد ماكي سال، الذي شغل رئاسة السنغال على مدى 12 عاما حتى 2024، أن ​سابقة قيادته لدولة تمثل عنصرا ⁠أساسيا يؤهله لمنصب الأمين العام.

وأنجز الجيولوجي البالغ من العمر 64 عاما، وهو نجل بائع فول سوداني من منطقة فقيرة في الدولة الواقعة بغرب أفريقيا، عددا من مشروعات البنية التحتية الكبرى خلال فترة حكمه كما أيد حق أفريقيا في التنمية.

ويشدد سال على ضرورة دعم الدول النامية المثقلة بالديون ويدعو إلى إصلاح مجلس الأمن، في إشارة إلى مطالب الدول النامية بالحصول على مقاعد دائمة في أكثر هيئات الأمم المتحدة نفوذا.

وقال على ⁠منصة إكس "أكثر ​من أي وقت مضى، تظل التعددية بصيغتها المتجددة أفضل وسيلة للتعامل مع تحديات عالم يشهد تحولا كاملا"۔

ورشحت بوروندي سال ​الذي يتسم بالهدوء ويميل إلى استخدام الفرنسية أكثر من الإنجليزية. وتشير مذكرات دبلوماسية إلى أن ترشحه يحظى بدعم متفاوت في أفريقيا، إذ امتنعت بلاده ونيجيريا عن تأييده.

وإذا جرى اختياره، فسيصبح ثالث أمين عام أفريقيا للأمم المتحدة بعد ​المصري بطرس بطرس غالي والغاني كوفي عنان.

ماكي سال
ماكي سال

وتتنظر الأمين العام للأمم المتحدة المقبل مهمة ضخمة تتمثل في إعادة تنشيط منظمة تعاني من أزمة، وتضاءلت مكانتها بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية.

وضغطت القوى الكبرى، حتى في الوقت الذي تتجاهل فيه بشكل متزايد القواعد الراسخة للنظام الدولي، على الأمم المتحدة لإجراء إصلاحات وخفض التكاليف وإثبات أهميتها. وأول من سيخضع لجلسة النقاش التي تمتد لثلاث ساعات هما باشيليت وجروسي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الثلاثاء من قبل الدول الأعضاء وممثلي المجتمع المدني، يليهما جرينسبان وسال الأربعاء.

والعدد الحالي أقل بكثير من عدد المرشحين الذين تنافسوا على المنصب في عام 2016، عندما تم اختيار الأمين العام الحالي أنطونيو جوتيريش من البرتغال من بين 13 مرشحا، سبعة منهم ‌من النساء.

ولم تتقلد المنصب أي امرأة في تاريخ الأمم المتحدة الذي يمتد إلى 80 عاما، رغم الدعوات ‌المتزايدة لتغيير هذا الوضع الغريب، وجرى العرف على تناوب المنصب بين المناطق، حيث تأتي أمريكا اللاتينية في المرتبة التالية.

وهناك قاعدة أخرى غير مكتوبة وهي أن الأمين العام لا ‌يأتي أبدا من بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وهي بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة لتجنب التركيز المفرط للسلطة، رغم أن دعمهم أمر حاسم في عملية الاختيار الطويلة والمعقدة.

وكتب دانيال فورتي من مجموعة الأزمات الدولية مؤخرا إن "الحاجة إلى أمين عام مستعد للدفاع عن رؤية واضحة واستباقية للأمم المتحدة بشأن صنع السلام وإدارة الأزمات لم تكن أبدا أكثر إلحاحا".

وأضاف "إذا أضاع المرشحون والدول الأعضاء هذه الفرصة، فقد لا يتبقى من الأمم المتحدة ما يستحق الدفاع عنه".