الموصل.. مدينة الأنبياء بين الأسطورة والتاريخ

أثار تدمير الأضرحة التاريخية على يد داعش يثير تساؤلات واسعة حول استهداف الهوية الدينية والتراثية للمدينة العريقة.

بغداد ـ على ضفاف نهر دجلة، تقف الموصل بوصفها واحدة من أكثر المدن العربية والإسلامية إثارة للأسئلة التاريخية والدينية. فعلى مدى عقود طويلة، ارتبط اسم مدينة نينوى في الموصل بلقب “مدينة الأربعين نبي”، وهو وصف ظل يتردد في الذاكرة الشعبية لأهالي المدينة جيلا بعد جيل، حتى أصبح جزءا من هوية المدينة الروحية والثقافية.

وتتحدث الروايات الشعبية في الموصل تتحدث عن وجود قبور وأضرحة لعشرات الأنبياء داخل المدينة ومحيطها، رغم غياب الأدلة التاريخية أو الأثرية الحاسمة التي تثبت صحة هذه المعتقدات.

ويُعد جامع النبي يونس أشهر هذه الأضرحة وأكثرها حضوراً في الوعي الشعبي. وكان الجامع قائماً على “تل التوبة” في الجانب الشرقي من الموصل، حيث اعتقد السكان أن النبي يونس، أو “يونان” لدى المسيحيين واليهود، دُفن هناك بعد رحلته الشهيرة المرتبطة بقصة الحوت.

وتحول عبر الزمن إلى رمز حضاري وروحي للمدينة، يقصده الزوار من داخل العراق وخارجه، خصوصاً من تركيا ودول الجوار. وكان الموصليون يرون في وجود النبي يونس نوعاً من الحماية الرمزية للمدينة من الكوارث والحروب.

غير أن تنظيم داعش فجّر الجامع في تموز/يوليو 2014، في واحدة من أكثر عمليات التدمير صدمة في تاريخ الموصل الحديث، ضمن حملة استهدفت الأضرحة والمراقد الدينية التي اعتبرها التنظيم “شركاً”.

إلى جانب النبي يونس، تتحدث الروايات الشعبية عن أضرحة أخرى، مثل جامع النبي شيت في الجانب الأيسر للمدينة، والنبي جرجيس في سوق الشعارين، إضافة إلى مقام النبي دانيال في محلة اليهود القديمة.

لكن الجدل حول حقيقة هذه القبور لا يزال قائماً حتى اليوم، ويؤكد الباحث بشار نديم، وفق ما نقلته شبكة نيريج، عدم وجود أي دليل شرعي أو أثري يثبت دفن الأنبياء في الموصل، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الأضرحة ظهرت في فترات متأخرة، وبعضها ارتبط بأحلام أو روايات شعبية أكثر من ارتباطه بوثائق تاريخية.

أما رجل الدين محمد جمال باسم، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن قبر النبي الوحيد المعروف بشكل يقيني هو قبر النبي محمد في المدينة المنورة، بينما بقية الأضرحة تدخل ضمن إطار المعتقدات الشعبية التي تشكلت عبر القرون.

ويرى مؤرخون وباحثون أن موقع نينوى التاريخي ربما لعب دوراً أساسياً في نشوء هذه الروايات. فالمدينة كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية، ومركزاً تجارياً وسياسياً يربط الشرق بالغرب، ما جعلها محطة لعبور الشعوب والديانات والرسل.

ويقول الباحث في التراث سمير عبد الله شامل إن نينوى استقبلت عبر تاريخها رجال دين وأنبياء وأسرى من شعوب متعددة، لذلك لا يستبعد أن يكون بعضهم قد عاش أو مات فيها بالفعل، حتى وإن ظلت أماكن دفنهم مجهولة.

كما يرى باحثون آخرون أن السلطات المتعاقبة، من العثمانيين إلى الحكومات الحديثة، ساهمت في ترسيخ هذه الرمزية الدينية لأسباب سياسية واقتصادية، إذ تحولت بعض الأضرحة إلى مراكز جذب ديني وتجاري وسياحي.

ولم يكن تدمير داعش للأضرحة، بحسب باحثين، مدفوعاً بأسباب عقائدية فقط، بل ارتبط أيضاً بالبحث عن الآثار والكنوز المدفونة تحت المواقع التاريخية.

ويشير الباحث عمر ناثر غازي، وفق تقرير “شبكة نيريج”، إلى أن التنظيم كان يعلم بوجود آثار آشورية مهمة أسفل تل النبي يونس، بينها قصر الملك الآشوري أسرحدون. وبعد تفجير الجامع، حفرت عناصر التنظيم أنفاقاً داخل التل بحثاً عن القطع الأثرية لتهريبها وبيعها.

وكشفت بعثة ألمانية للتنقيب بعد تحرير الموصل عام 2017 عن قاعات وآثار آشورية مهمة داخل الموقع، بينها ثيران مجنحة ونقوش مسمارية تعود إلى عهد الملك سنحاريب.

ورغم غياب الأدلة القاطعة، لا تزال هذه الروايات حية في ذاكرة الموصليين. فكثير من كبار السن يتحدثون عن “بركة” النبي يونس، وعن قصص متوارثة تؤكد أن المدينة كانت محمية بوجود الأنبياء فيها.

ويقول ذاكر نبيل الجماس، المهتم بتراث الموصل، إن الناس كانوا يتوافدون إلى جامع النبي يونس للتبرك والدعاء، وإن النساء كن يلجأن إليه طلبا للشفاء أو الإنجاب أو الزواج.

بل إن بعض القصص الشعبية ذهبت إلى حد القول إن الطائرات الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية لم تستطع قصف جامع النبي يونس بسبب “معجزة إلهية”، وهي روايات يراها باحثون جزءاً من الخيال الشعبي الذي يحيط بالأماكن المقدسة.

وبعد تحرير الموصل من داعش، بدأت حملات واسعة لإعادة إعمار الجوامع والمواقع التراثية التي دُمرت خلال الحرب. وأعيد افتتاح جامع النبي شيت عام 2023 بعد إعادة بنائه بالكامل بتمويل من متبرعين.

لكن الجيل الجديد يبدو أقل ارتباطا بالموروثات القديمة، فالطالب الجامعي شامل طه، من سكان محلة النبي شيت، يقول إن الجامع بالنسبة له مكان للصلاة فقط، لا أكثر، مضيفاً أن المدينة بحاجة إلى مستشفيات ومدارس بقدر حاجتها إلى إعادة بناء المساجد التاريخية.

ورغم ذلك، تبقى نينوى مدينة محمّلة بالرموز والأساطير، حيث يمتزج التاريخ بالدين، واليقين بالحكايات الشعبية، في مشهد يعكس تعقيد مدينة عاشت آلاف السنين وما تزال تبحث عن هويتها بين الأنقاض والذاكرة.