كيف أعاد جيل 'زد' إحياء القيم التقليدية في قلب العصر الرقمي؟
لندن - لطالما ساد الاعتقاد بأن الأجيال الصاعدة هي المحرك الدائم للتحرر وكسر القيود الموروثة، إلا أن البيانات الحديثة بدأت ترسم صورة مغايرة تماماً لما كان متوقعاً. نحن اليوم أمام جيل لا يشبه أسلافه في مسار تطوره الفكري؛ جيل ''Z'' الذي نشأ في أحضان التكنولوجيا، يبدو أنه ينقسم على نفسه في مواجهة أسئلة الهوية، الزواج، والأدوار الاجتماعية. فبينما تندفع الشابات نحو آفاق جديدة من الاستقلالية، يعود الشباب بخطى ثابتة نحو قيم يراها البعض "تقليدية"، ويرونها هم "ملاذاً" في عالم مضطرب.
الفجوة الفكرية الصادمة (بيانات 2024)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في الخارطة السوسيولوجية العالمية، حيث كشفت سلسلة من الدراسات التي قادتها جامعة "كينغز كوليدغ لندن" بالتعاون مع معهد "إبسوس"، عن فجوة فكرية متسعة بدأت ملامحها تظهر بوضوح في مطلع عام 2024 واستقرت كحقيقة بنيوية في عام 2026. وهذا المسار البحثي، الذي شمل أكثر من 23,000 مشارك في 29 دولة، قلب الموازين التقليدية التي تفترض أن الأجيال الشابة هي بالضرورة الأكثر تحرراً، إذ أظهرت النتائج أن ذكور جيل Z يتجهون نحو "محافظة جديدة" تستعيد أدوار الجندر التقليدية في الزواج والحياة العامة، في حين تندفع إناث الجيل نفسه نحو أقصى درجات التحرر الفكري والاجتماعي.
وتُعد جامعة كينغز كوليدغ لندن (King’s College London)، التي تأسست عام 1829 بمبادرة من الملك جورج الرابع ودوق ويلينغتون، واحدة من أعرق وأضخم الجامعات البحثية في العالم وثالث أقدم جامعة في إنغلترا، حيث تتبوأ باستمرار مكانة مرموقة ضمن أفضل 40 جامعة عالمياً وأفضل 10 جامعات في أوروبا كعضو بارز في "مجموعة روسل" لنخبة الجامعات البريطانية. وتشتهر الجامعة، التي تتوزع كلياتها في قلب العاصمة لندن، بكونها مركزاً ريادياً في دراسات العلوم الاجتماعية والسياسات العامة من خلال "معهد السياسات" التابع لها، كما تفخر بسجل أكاديمي حافل يضم 14 عالماً حائزاً على جائزة نوبل بين خريجيها وباحثيها، مما يمنح الدراسات الصادرة عنها ثقلاً دولياً ومرجعية علمية رصينة في تحليل التحولات السوسيولوجية والسياسية العالمية.
السلطة الأبوية والمنظور الذكوري الجديد
وعند النظر في الأرقام التفصيلية التي صدمت الأوساط الأكاديمية في عام 2024، نجد أن حوالي 31% من رجال جيل Z باتوا يعتقدون بضرورة طاعة الزوجة لزوجها بشكل دائم، وهي نسبة تتجاوز في بعض المجتمعات قناعات الأجيال الأكبر سناً، كما عبر 33% من شباب هذا الجيل عن قناعتهم بأن الرجل يجب أن يمتلك الكلمة الأخيرة في القرارات المصيرية داخل مؤسسة الزواج. وهذه النزعة لم تكن مجرد آراء عابرة، بل ترافقت مع قلق عميق عبر عنه 59% من ذكور هذا الجيل الذين يرون أن المطالبات المعاصرة بالمساواة بين الجنسين قد تجاوزت حدودها المنطقية وأصبحت تشكل تهديداً مباشراً لمكانة الرجل في المجتمع، مما دفع 25% منهم تقريباً إلى تبني رؤى ترى في استقلالية المرأة المفرطة عائقاً أمام بناء أسرة مستقرة.
الانفجار الفكري وتأثير الرقمنة (تحديثات 2026)
ومع حلول عام 2026، أكد التقرير الموسع الصادر عن معهد السياسات بجامعة "كينغز كوليدغ" أن هذه الظاهرة قد ترسخت بفعل آليات الرقمنة والخوارزميات التي تعزز المحافظة الرقمية لدى الشباب دون سن 20 عاماً. وقد سجلت البيانات تحديثاً يشير إلى أن الفجوة بين الجنسين داخل جيل Z قد اتسعت بنسبة 12% إضافية خلال عامين، حيث أصبحت النساء أكثر تمسكاً بالقيم التقدمية، بينما استقر الرجال عند مستويات مرتفعة من تبني الفكر التقليدي كوسيلة لحماية هويتهم الاجتماعية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أظهرت الدراسة أن جيل Z يميل لدمج الحداثة بالتقليد، فبينما يتمسكون بالزواج كقيمة جوهرية، يميلون نحو الزواج عن حب مع اشتراط بقاء الأطر الاجتماعية والدينية التقليدية حاكمة للعلاقة.
إعادة تعريف الرجولة ومستقبل المجتمعات
وتخلص هذه الدراسة المستمرة إلى أننا لسنا أمام تطور خطي بسيط للأفكار، بل أمام جيل يعيد تعريف نفسه من خلال الصدام بين موروثاته وبين الانفتاح الرقمي الهائل. إن تزايد نسبة الشباب الذين يربطون بين ممارسة أدوار الرعاية المنزلية وبين نقص مفهوم الرجولة بنسبة 21%، يؤكد أن الصراع القادم في المجتمعات لن يكون صراعاً بين الأجيال فحسب، بل صراعاً فكرياً حاداً داخل الجيل الواحد، وهو ما يتطلب إعادة قراءة للخطاب الثقافي والإبداعي والتربوي ليتماشى مع هذه الحقيقة المعقدة، التي لم تعد فيها القيم التقليدية مجرد ذكرى من الماضي، بل أصبحت خياراً واعياً وجزءاً من الهوية الجديدة لجزء كبير من شباب العصر الحديث.