إيران تنتقل من 'الشرعية الدينية' الى شرعية العسكر

معلومات تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني أصبح هو صاحب الكلمة الفصل في ما يوصف بـ'حكم الحرب' في تحول عميق أُبعد فيه المرشد عن دائرة صناعة القرار.  

واشنطن/طهران - تشير تطورات المشهد الإيراني، بعد أسابيع من اندلاع المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى تحوّل عميق في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث برز الحرس الثوري الإيراني بوصفه اللاعب الأكثر تأثيرا في إدارة الدولة وتوجيه قراراتها، في ظل تراجع غير مسبوق لدور القيادة الدينية التقليدية ممثلة في مجتبى خامنئي الذي رشح سريعا لملء فراغ في المرجعية الدينية والسياسية في إيران عقب اغتيال والده في ضربة أميركية إسرائيلية قتل فيها أيضا عدد من قيادات الصف الأول.

وقد شكّل مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب نقطة تحول مفصلية، أنهت عمليا نموذج "الحاكم الفرد" الذي طبع النظام الإيراني منذ 1979. ومع تولي نجله مجتبى موقع القيادة، بدا واضحا أن النظام دخل مرحلة جديدة تقوم على توزيع السلطة داخل دائرة ضيقة من القادة العسكريين والأمنيين، بدلا من تمركزها في يد مرجعية واحدة حاسمة.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن دور مجتبى يظل إلى حد كبير شكليا، يقتصر على المصادقة على القرارات التي تتخذها مراكز القوة الفعلية، وفي مقدمتها قيادة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي، فيما يعكس هذا التحول انتقالا تدريجيا من "شرعية دينية" إلى "شرعية أمنية"، حيث تدار الدولة بمنطق إدارة الحرب لا بمنطق التوازنات السياسية التقليدية.

وبرز اسم أحمد وحيدي كأحد أبرز صناع القرار، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالمواجهة العسكرية والمفاوضات غير المباشرة مع واشنطن. ورغم الظهور الدبلوماسي لوزير الخارجية عباس عراقجي، ودور رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فإن الثقل الحقيقي في اتخاذ القرار يبدو متمركزا داخل المؤسسة العسكرية.

ويفسر هذا التحول بطبيعة المرحلة التي تمر بها إيران، حيث أدت ضغوط الحرب إلى تقليص دوائر صنع القرار، وتركيزها في أيدي مجموعة من "غلاة المحافظين" المرتبطين بالمؤسسات الأمنية. ووفقا لمصادر دبلوماسية، فإن هذا النمط من الحكم يبطئ عملية اتخاذ القرار، لكنه في المقابل يعزز التماسك الداخلي ويمنع بروز انقسامات واضحة.

وعلى الصعيد التفاوضي، قدمت طهران مقترحا يقوم على تأجيل بحث الملف النووي إلى مراحل لاحقة، والتركيز أولا على وقف الحرب ومعالجة قضايا الملاحة في الخليج، غير أن هذا الطرح يصطدم برفض أميركي يصر على إدراج الملف النووي في صلب أي اتفاق. ويعكس هذا التباين فجوة عميقة بين ما تقبله واشنطن وما يعتبره الحرس الثوري خطوطا حمراء.

ويكشف تحليل هذه المعطيات أن إيران دخلت مرحلة "حكم الحرب"، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية والعسكرية على ما سواها، فالحرس الثوري، الذي يرى نفسه حاميا للنظام، يسعى إلى إدارة الصراع بطريقة تضمن الحفاظ على النفوذ الإقليمي، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة.

كما أن هذا التحول يعيد رسم ملامح النظام السياسي الإيراني، إذ لم يعد الصراع داخليا بين تيارات معتدلة وأخرى متشددة، بل أصبح بين درجات مختلفة من التشدد، في ظل غياب تيار إصلاحي قادر على التأثير. ويعزز ذلك غياب أي مؤشرات على انقسامات داخلية أو احتجاجات واسعة، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية.

وتبدو إيران اليوم أمام نموذج حكم جديد تقوده المؤسسات الأمنية، حيث تتراجع سلطة رجال الدين لصالح قيادة عسكرية موحدة تدير الدولة بعقلية الصراع طويل الأمد. هذا الواقع قد يمنح طهران قدرة أكبر على الصمود، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من تصلب مواقفها، ويعقد فرص التوصل إلى تسوية سياسية في المدى القريب.

وسلّط تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء على جانب لافت من تطورات الأزمة مع إيران، إذ أكد أن طهران أبلغت واشنطن بأنها تعمل على "ترتيب أوضاع قيادتها"، في إشارة تعكس حالة ارتباك داخلي محتملة داخل دوائر الحكم الإيرانية بالتزامن مع استمرار الصراع.

وجاء هذا التصريح عبر منشور لترامب، أوضح فيه أن إيران تمر بما وصفه بـ"حالة انهيار"، وتسعى في الوقت ذاته إلى إعادة تنظيم بنيتها القيادية، في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة. ولم يقدم الرئيس الأميركي تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه الترتيبات أو كيفية نقل هذه الرسالة إلى واشنطن، كما لم يصدر رد رسمي فوري من الجانب الإيراني على هذه التصريحات.

ويُنظر إلى هذا التصريح باعتباره مؤشرا على تقديرات أميركية بوجود تحولات داخل هرم السلطة في طهران، خاصة في ظل التطورات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك استهداف شخصيات بارزة في القيادة السياسية والعسكرية. وتفتح هذه المعطيات الباب أمام تساؤلات حول مدى تماسك النظام الإيراني وقدرته على الحفاظ على وحدة القرار في هذه المرحلة الحساسة.

ويرى مراقبون أن حديث ترامب عن "إعادة ترتيب القيادة" قد يحمل أبعادا سياسية وإعلامية، إذ يمكن تفسيره كرسالة ضغط تهدف إلى إظهار إيران في موقع الضعف، أو كجزء من استراتيجية تفاوضية تسعى إلى دفع طهران لتقديم تنازلات. وفي المقابل، قد يعكس التصريح أيضا معلومات استخباراتية تشير إلى وجود تغييرات فعلية داخل بنية القيادة الإيرانية.

كما يرتبط هذا الطرح بسياق أوسع يتعلق بطبيعة إدارة الأزمة داخل إيران، حيث تزايدت في الفترة الأخيرة المؤشرات على صعود دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في اتخاذ القرار، مقابل تراجع نسبي لدور القيادة التقليدية. وهو ما قد يفسر حديث ترامب عن "إعادة ترتيب" في مراكز النفوذ داخل الدولة.

ويبرز تصريح الرئيس الأميركي كعنصر جديد في مشهد معقد، يختلط فيه البعد السياسي بالرسائل الإعلامية، ويعكس في الوقت ذاته حجم الضغوط التي تواجهها إيران، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. وبينما تبقى دقة هذه التصريحات محل تساؤل في غياب تأكيد رسمي من طهران، فإنها تعكس بوضوح تصاعد التوتر ومحاولة كل طرف توظيف الخطاب السياسي لتعزيز موقعه في الصراع المستمر.