عراقٌ نطمحُ إليه… لا نطمحُ به: قراءة تحليلية في مأزق الدولة وفرص الإنقاذ
ليس مأزق العراق اليوم وليد لحظة، بل هو نتيجة تراكمات بنيوية رافقت نشأة النظام السياسي بعد عام 2003، فالدولة التي أُعيد تشكيلها على أساس التعددية والتوازن، وفق الدستور العراقي، لم تنجح في التحول إلى نموذج مستقر للحكم التوافقي، بل بقيت أسيرة تفسيرات متضاربة للنصوص، وتوظيف سياسي لمبدأ الشراكة بدل ترسيخه كممارسة مؤسسية.
ضمن هذا المشهد، يبرز الدور الكردي بوصفه أحد أعمدة إعادة بناء الدولة العراقية الحديثة، فالكرد لم يكونوا مجرد مكوّن مشارك، بل شريكًا مؤسسًا في صياغة المعادلة الاتحادية، مستندين إلى تجربة سياسية وإدارية تراكمت منذ عام 1991.
هذه التجربة عززت مفهوم الفيدرالية كخيار دستوري يوازن بين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها، وأسهمت في ترسيخ مبدأ الشراكة والتوافق كركيزة للحكم.
غير أن هذه الشراكة لم تستقر على أرضية صلبة، فالعلاقة بين بغداد وأربيل ظلت رهينة توازنات سياسية متقلبة، تتأرجح بين التعاون والتوتر. وهو ما يعكس الفجوة المستمرة بين النص الدستوري والتطبيق العملي، رغم الإدراك النظري العميق كما عبّر عنه مسعود بارزاني، بأن قوة كل طرف ترتبط بالآخر.
اليوم، يتقاطع هذا الخلل البنيوي مع تحديات أكثر تعقيدًا، فالحكومة القادمة، مهما كانت طبيعة تشكيلها، ستجد نفسها أمام شبكة متداخلة من الضغوط الداخلية والخارجية. مطالب المكونات العراقية لم تعد مؤجلة: الكرد يطالبون بتطبيق فعلي للدستور، وحل ملفات النفط والغاز، والموازنة، والمناطق المتنازع عليها؛ والسنة يسعون إلى شراكة حقيقية في القرار السياسي، واستعادة الاستقرار في مناطقهم؛ فيما يطالب عموم العراقيين بدولة قادرة على مكافحة الفساد، وتوفير الخدمات، وخلق فرص العمل، وضمان الأمن.
في المقابل، تتزايد الضغوط الدولية، خصوصًا في ظل التنافس بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع العراق أمام معادلة صعبة: الحفاظ على توازن علاقاته الخارجية دون أن يتحول إلى ساحة صراع وهذا ما يجعل مهمة أي رئيس وزراء مقبل شديدة التعقيد، لكنها ليست مستحيلة إذا ما توافقت الرؤى، إذ يُطلب منه في آنٍ واحد ضبط الفاعلين المسلحين، وإدارة الاقتصاد، وتحقيق التوازن السياسي، دون أن يمتلك دائمًا الأدوات الكافية لذلك.
خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في تعدد الأزمات، بل في تزامنها، فاستمرار الخلافات الداخلية يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويُدخل العراق في متاهات الحسابات الإقليمية والدولية، كما حدث خلال العقدين الماضيين وهذا ما يجعل من أي تأخير في معالجة جذور الأزمة مخاطرة قد يصعب احتواؤها لاحقًا.
من هنا، لا يمكن أن يكون الحل جزئيًا أو مرحليًا. المطلوب هو إعادة بناء الثقة بين المكونات على أساس واضح: التزام حقيقي بالدستور، واحترام لمبدأ الشراكة، وتفعيل للتوازن في إدارة الدولة. فلا يمكن الحديث عن استقرار دون إنصاف حقوق جميع العراقيين، ودون شعور كل مكوّن بأنه شريك كامل، لا تابع أو مهمّش.
كما أن إدارة التنوع في العراق يجب أن تنتقل من كونها أزمة إلى كونها فرصة، فالدول التي نجحت في تحقيق الاستقرار لم تُلغِ اختلافاتها، بل نظّمتها ضمن أطر دستورية عادلة. والعراق يمتلك المقومات لذلك، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية التي تترجم هذه المبادئ إلى واقع.
ويبدو جليا ان اللحظة التي يعيشها العراق اليوم ليست مجرد أزمة سياسية، بل اختبار تاريخي لمستقبل الدولة، فإما أن تنجح القوى السياسية في بناء نموذج توافقي حقيقي يستوعب الجميع، أو يستمر الانزلاق نحو مزيد من التعقيد، حيث تتآكل الدولة تدريجيًا تحت ضغط الصراعات الداخلية والخارجية.