بصمة سرطانية للسمنة لا يمحوها فقدان الوزن!

دراسة لجامعة أكسفورد تكشف أن أكثر من نصف مرضى السرطان لديهم تاريخ مع السمنة، مؤكدة أن الضرر البيولوجي يظل قائما حتى بعد فقدان الوزن، مما يستوجب اعتماد التاريخ المرضي للوزن بدلا من القياس اللحظي لضمان دقة العلاج.

لندن - فجرت جامعة أكسفورد مفاجأة طبية مدوية كشفت فيها أن التاريخ "الوزني" للمريض يحمل أسراراً تفوق في خطورتها حالته البدنية الراهنة.

في دراسة استقصائية وُصفت بالتاريخية، تبين أن أكثر من نصف مرضى السرطان الذين يشرعون في تلقي العلاج في إنكلترا يمتلكون تاريخاً طبيا مرتبطا بالسمنة، وهو ما يكشف عن دور لهذه الظاهرة في تغذية الأمراض الفتاكة يتجاوز بكثير ما كان يُخشى منه سابقاً، إذ كانت التقديرات السابقة تشير إلى أن السمنة قد تكون المسؤولة عن أربع من كل عشر حالات فقط.

وتوصل خبراء من جامعة أكسفورد إلى أن الاعتماد على قياس واحد للوزن عند بدء رحلة العلاج قد يؤدي إلى استهانة كبيرة بمدى تعرض المريض للسمنة طوال حياته، وهو أمر محوري نظراً لأن هذا التاريخ التراكمي يمتلك القدرة على تغيير فرص النجاة والبقاء على قيد الحياة بشكل جذري.

وبينما تم ربط السمنة تاريخياً بثلاثة عشر نوعاً على الأقل من السرطان، فإن التحذير الأبرز الذي أطلقه الخبراء اليوم هو أن فقدان الوزن في مرحلة لاحقة لا يعد كافياً لمحو الخطر الكامن، وفي هذا السياق أكدت الدكتورة هيلين كروكر من الصندوق العالمي لأبحاث السرطان أن هذا البحث يسلط الضوء على ضرورة دمج تاريخ المريض مع السمنة ضمن المعايير الصحية الحالية عند اتخاذ القرارات السريرية، موضحة أنه برغم رسوخ الصلة بين السمنة وخطر الإصابة، فإن تأثيرها على نتائج العلاج لا يزال يكتنفه الغموض إذا ما استمر الأطباء في الاعتماد حصراً على مؤشر كتلة الجسم عند بدء العلاج، لأن ذلك يغفل عن "التعرض التراكمي" الذي قد يحدد التوقعات المستقبلية للمرض.

ضرورة دمج تاريخ المريض مع السمنة ضمن المعايير الصحية عند اتخاذ القرارات السريرية

وقد استندت هذه النتائج المذهلة إلى دراسة استقصائية شملت أكثر من عقد من الزمان، وأظهرت أنه بمجرد إدراج تاريخ السمنة السابق في الحسابات، قفز معدل انتشارها ليتجاوز خمسين بالمئة في كل نوع من أنواع السرطان الثلاثة عشر التي خضعت للدراسة، وهو تناقض صارخ مع النسبة التي تظهر عند الاعتماد على قياس واحد لمؤشر كتلة الجسم والتي لا تتعدى خمسة وعشرين بالمئة فقط من المرضى المصنفين سريرياً كمصابين بالسمنة.

ويتجلى هذا التفاوت بوضوح في حالات سرطان البنكرياس، فبينما لم تتجاوز نسبة المصابين بالسمنة عند بدء العلاج أربعة عشر بالمئة، تبين أن ستة وخمسين بالمئة منهم عانوا من السمنة في مرحلة ما من حياتهم، مما يبرهن على أن الوزن الحالي لا يقدم سوى قشرة خارجية لا تعكس الواقع الصحي العميق للمريض.

وهذه النتائج التي احتضنتها صفحات مجلة "بيانات إيسمو الواقعية وعلم الأورام الرقمي" تضع المجتمع الطبي أمام ضرورة حتمية لمواجهة السمنة وجهاً لوجه في وقت مبكر بدلاً من محاولة معالجتها كأثر جانبي لاحق، خاصة وأن الفريق البحثي بقيادة البروفيسور سايمون لورد وجد أن زيادة الوزن السابقة تؤثر بشكل ملموس على نجاح المسارات العلاجية.

وقد اعتمد الباحثون في تحليلهم على بيانات ضخمة استُقيت من السجلات الصحية الرقمية لـنحو تسعة وسبعين ألفاً ومائتين وواحد وسبعين مريضاً يتلقون علاجات جهازية تشمل العلاج الكيميائي وغيره من الأدوية التي تسري في مجرى الدم، وأظهرت النتائج أن معدلات السمنة تتباين بشكل لافت باختلاف نوع السرطان، حيث سجلت الأنواع التي ترتبط عادةً بفقدان الوزن المفاجئ وفقدان الشهية، مثل سرطانات البنكرياس والجهاز الهضمي والمريء والأمعاء والرئة ولِمفوما غير هودجكين، معدلات سمنة منخفضة لحظة بدء العلاج، على عكس سرطانات الرحم والثدي والميلانوما الخبيثة التي كانت السمنة فيها أكثر شيوعاً عند نقطة البداية العلاجية.

كما كشف التحليل المعمق أن المرضى الأكبر سناً، وتحديداً من تجاوزوا الخامسة والسبعين، سجلوا معدلات سمنة أقل، في حين كان القاطنون في المناطق الأكثر فقراً وحرماناً هم الأكثر عرضة للسمنة.

ويرجع العلماء هذا الارتباط الوثيق إلى آليات بيولوجية معقدة تحفزها السمنة، كالالتهابات المزمنة واضطرابات الأيض وتذبذب مستويات الهرمونات، بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بضعف المشاركة في برامج الفحص المبكر أو تراجع دقة إجراءات الفحص لدى المصابين بالسمنة في المناطق المهمشة.

وخلص الباحثون إلى أن لهذه النتائج تداعيات جوهرية على فهمنا للعلاقة بين السمنة ومخرجات علاج السرطان، لا سيما في مجال الطب الدقيق، حيث توفر الدراسة مبرراً علمياً قوياً لضرورة الموازنة بين مؤشر كتلة الجسم الحالي والسابق عند اتخاذ القرارات السريرية، محذرين من أن تجاهل هذا التاريخ يعني إغفال جزء حيوي من الصورة الطبية للمريض.

ومن جانبها، أشارت الدكتورة فيكتوريا بيرليتا إلى أن وزن الجسم التاريخي لا يسهم فقط في بناء صورة صحية كاملة، بل يمتلك دوراً عملياً في تحديد جرعات العلاج الكيميائي، مما يفتح آفاقاً لرعاية أكثر تخصيصاً للمرضى. ومع تزايد الإقبال العالمي على حقن إنقاص الوزن الشهيرة مثل "ويغوفي" و"مونجارو"، أكد الخبراء أن تتبع الوزن بمرور الزمن سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى لفهم كيف ستغير هذه الأدوية أنماط السمنة لدى مرضى السرطان وهل ستؤثر إيجاباً على نتائج العلاج النهائي.

وفي الوقت الذي رحبت فيه الجمعيات الخيرية الصحية بهذه النتائج التي سدت فجوة معلوماتية كبيرة، يبقى التحدي قائماً في مواجهة قائمة طويلة من السرطانات المرتبطة بالوزن، والتي لم تعد تقتصر على الأنواع الثلاثة عشر المعروفة منذ عام ألفين وستة، بل امتدت لتشمل تسعة عشر نوعاً إضافياً حددها خبراء من جامعة لوند السويدية في عام ألفين وأربعة وعشرين، لتشمل أورام المعدة والأمعاء الدقيقة والغدة النخامية وسرطانات الرأس والرقبة، مع التأكيد المستمر على أن وجود تاريخ مع السمنة لا يعني حتمية الإصابة، بل يستوجب يقظة طبية أعمق.