معاهدة الجوائح ترسم فجرا جديدا للأمن الصحي العالمي

صياغة إطار قانوني دولي ملزم يضمن العدالة في توزيع الموارد الطبية وتقاسم المنافع الجينية، مدعوما بآليات تمويل مستدامة، لحماية الاستقرار العالمي ومنع تكرار فجوات الاستجابة الصحية السابقة.

جنيف - تشهد الدبلوماسية الصحية الدولية منعطفا تاريخيا تقوده منظمة الصحة العالمية من خلال "معاهدة الجوائح" (Pandemic Accord)، وهي مبادرة طموحة تهدف إلى بناء إطار قانوني ملزم يضمن استعداد الدول وتفاعلها مع أي تهديد وبائي جديد بفعالية وعدالة. وتأتي هذه المعاهدة لتجاوز العجز التنسيقي الذي شهده العالم في الأزمات السابقة، معلنة عن حقبة جديدة من التعاون العابر للحدود.

يشكل الانتقال نحو نظام صحي عالمي متكامل في عام 2026 ضرورة حتمية فرضتها الدروس القاسية للأزمات السابقة، حيث تبرز "معاهدة الجوائح" كإطار قانوني يسعى لردم الهوة بين النظرية والتطبيق في مواجهة التهديدات الوبائية.

ويعد "صندوق الجوائح" (Pandemic Fund) المحرك المالي الأساسي لهذه المنظومة، إذ يعمل كآلية تمويل مستدامة تهدف إلى سد الفجوات التمويلية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، من خلال تقديم منح واستثمارات مخصصة لتقوية الأنظمة الصحية الوطنية، وتعزيز قدرات المختبرات، وتدريب الكوادر الطبية على الرصد المبكر. وتعتمد آليات عمل الصندوق على التنسيق بين البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية لضمان توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة، مع اشتراط وجود خطط استباقية وطنية تضمن الاستجابة السريعة في حال ظهور أي مؤشر وبائي.

خارطة طريق الاستجابة الدولية

تتمحور المفاوضات الجارية في الهيئة التفاوضية الحكومية الدولية حول أربعة محاور جوهرية تعيد صياغة مفهوم الأمن الصحي. 

يركز محور التوزيع العادل (Equity) على ضمان وصول الدول النامية إلى اللقاحات والعلاجات والمعدات الطبية بشكل متزامن مع الدول المتقدمة، لتجنب تأخير وصول المساعدات الحيوية. 

واجهت الدول تحديات دبلوماسية وسياسية كبرى في التوافق على "نظام تقاسم المنافع" (PABS)، وهو الملف الذي شهد انقساما واضحا بين الشمال والجنوب العالمي. وتتمثل الإشكالية المركزية في مطالبة الدول النامية بحقها في الحصول على حصة عادلة من اللقاحات والعلاجات مقابل مشاركة البيانات الجينية للفيروسات المكتشفة على أراضيها، بينما أبدت الدول المتقدمة وشركات الأدوية الكبرى تحفظات تتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية. هذا التحدي أدى إلى نقاشات محتدمة حول مفهوم "العدالة الإلزامية"، حيث تسعى المعاهدة لفرض نسب مئوية محددة من الإنتاج الطبي العالمي ليتم توزيعه عبر قنوات منظمة الصحة العالمية في حالات الطوارئ.

ويهدف محور دعم التصنيع المحلي إلى تشجيع نقل التكنولوجيا إلى المناطق الإقليمية، لا سيما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية الهشة وتأمين الاكتفاء الذاتي الإقليمي. في حين يربط مبدأ "صحة واحدة" (One Health) بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، مما يتيح الرصد المبكر للأمراض الحيوانية المنشأ، والتي تُعد المصدر الأكبر للأوبئة العالمية.

تطورات 2026: من النقاشات إلى التنفيذ

مع اقتراب عام 2026 من منتصفه، وصلت المفاوضات إلى مراحلها النهائية، مسجلة إنجازات ملموسة على أرض الواقع. إذ تم تفعيل التمويل المستدام وتم إطلاق "صندوق الجوائح" (Pandemic Fund) بدعم من البنك الدولي ومجموعة العشرين، لتوفير الدعم المالي للدول ذات الدخل المنخفض وتعزيز بنيتها التحتية الصحية.

كما تم تحديث القوانين الدولية بالتوازي مع المعاهدة، إذ تم إقرار تعديلات على اللوائح الصحية الدولية لعام 2005، مما عزّز الشفافية في الإبلاغ عن الطوارئ ومنح منظمة الصحة العالمية صلاحيات أوسع في التقييم الميداني.

وأيضا التوصل إلى تفاهمات أولية تُلزم شركات الأدوية الكبرى بتخصيص نسبة تتراوح بين 10% إلى 20% من الإنتاج العالمي للتوزيع المجاني أو المدعوم خلال حالات الطوارئ.

تبعات كبرى لمستقبل البشرية

لا تتوقف أهمية المعاهدة عند الجانب الصحي فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل استقرار المجتمع الدولي على المستويات الاقتصادية والسياسية والطبية.

سيساهم الاستعداد المسبق، في حماية الاقتصاد العالمي من عمليات الإغلاق الكلية، مما يوفر مليارات الدولارات التي كانت تُستنزف في برامج التحفيز والتعافي. كما تعمل المعاهدة على تعزيز الثقة بين "الشمال العالمي" و"الجنوب العالمي"، مما قد يُنهي حقبة "قومية اللقاحات" التي أضرت بالعلاقات الدولية سابقا.

ومن المتوقع أن تتسارع وتيرة البحث العلمي المشترك، مما يمهد الطريق لتطوير لقاحات "جاهزة" يمكن تكييفها مع السلالات الجديدة في غضون أسابيع قليلة.

ا تُعد "معاهدة الجوائح" مجرد ورقة قانونية أو اتفاقية تقنية، بل هي ميثاق أخلاقي عالمي يقرّ بأن "لا أحد آمن حتى يصبح الجميع آمنين". إن التزام الدول بهذه المعاهدة في عام 2026 يمثل الضمانة الوحيدة لتحويل الأوبئة من كوارث وجودية إلى أزمات صحية يمكن السيطرة عليها وإدارتها بفعالية وحكمة.