لا تهاون بحرينيا مع من 'باعوا ضمائرهم لإيران'

الإجراءات البحرينية تبدو جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز مناعة الدولة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، عبر الجمع بين الحزم القانوني والرسائل السياسية الصارمة.

المنامة - وجّه عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة بإسقاط الجنسية عن مزيد من الأفراد المتورطين في تأييد الاعتداءات الإيرانية على المملكة، في خطوة تعكس حزما واضحًا في التعامل مع ما تعتبره المنامة تهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها وللسلم المجتمعي.

وقد اختبرت المنامة في 2011 حجم التهديدات التي كانت تتربص يأمنها واستقرارها حين خرجت مظاهرات عارمة تقودها الأقلية الشيعية في البلاد بدفع وتحريض إيراني، واستفادت من دروس الماضي في مواجهة الفوضى والانفلاتات المشحونة إيرانيا.

وأصبحت السلطات البحرينية أكثر قلقا مع تفكيكها عشرات الخلايا الإرهابية المرتبطة بإيران وكثير من عناصرها تلقوا تدريبات في معسكرات للحرس الثوري أو تلقوا دعما ماليا ولوجستيا لإثارة الفتنة والفوضى في المملكة. ومن هذا المنطلق كان الرد حاسما وحازما من أعلى هرم السلطة ممثلة في شخص الملك نفسه، فأن تصدر أوامر ملكية بمحاسبة من مجدوا العدوان الإيراني الأخير على المملكة للمرة الثانية في ظرف وجيز، فإن ذلك يعكس أولا حزما أكبر ويؤكد ثانيا أن الا تهاون مع من يهدد السلم المجتمعي وأمن البلاد.

وجاءت تصريحات ملك البحرين التي نقلتها وكالة الأنباء البحرينية، الجمعة، عقب قرار سابق بإسقاط الجنسية عن 69 شخصًا، بينهم عائلات، بسبب “تعاطفهم وتمجيدهم للأعمال العدائية الإيرانية الآثمة”.

وأكد أن ما تعرضت له البحرين من "عدوان إيراني آثم" كشف "زيف من باعوا ضمائرهم للعدو"، مشددا على ضرورة أن تكف طهران عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلاده ودول الخليج. كما عبّر عن غضبه من مواقف بعض المشرعين الذين اصطفوا، وفق قوله، إلى جانب من وصفهم بـ"الخونة"، متسائلًا عن كيفية قبول أن يقف ممثلو الشعب إلى جانب جهات تستهدف أمن البلاد.

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التوترات الإقليمية، بعد تعرض البحرين ودول عربية أخرى لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، قالت طهران إنها استهدفت من خلالها مصالح أميركية، غير أن بعض تلك الضربات طالت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وخسائر مادية وأثار إدانات واسعة.

وفي موازاة الموقف الملكي، أعلن رئيس مجلس النواب أحمد بن سلمان المسلم دعمه الكامل لتوجيهات الملك حمد بن عيسى، مؤكدًا أن المجلس "لا يتشرف بوجود أي عضو يبرر أو يدعم أعمالًا تضر بمصالح الوطن". كما بدأت السلطات القضائية بالفعل النظر في قضايا متعلقة بترويج وتمجيد تلك الأعمال، حيث عقدت المحكمة الجنائية الكبرى أولى جلسات محاكمة متهمين في هذا السياق خلال مارس الماضي.

غير أن قراءة هذه الإجراءات لا تقتصر على بعدها الإخباري أو الأمني المباشر، بل تمتد إلى دلالات سياسية أعمق تعكس توجهًا بحرينيًا واضحًا نحو تشديد أدوات الردع الداخلي في مواجهة ما تصفه بخلايا النفوذ الإيراني، فإسقاط الجنسية هنا لا يُطرح كإجراء إداري فحسب، بل كرسالة سياسية حازمة مفادها أن الانتماء الوطني مشروط بالولاء الكامل للدولة، وأن أي تقاطع مع أجندات خارجية معادية يُعد خرقًا لهذا العقد.

كما يعكس الخطاب الرسمي تصعيدًا في تعريف مفهوم "الأمن المجتمعي"، ليشمل ليس فقط الأفعال المادية، بل أيضًا المواقف والتعبيرات التي تُفسَّر على أنها دعم أو تبرير لتهديدات خارجية، وهو ما يشير إلى انتقال البحرين نحو مقاربة أكثر شمولية في تحصين جبهتها الداخلية، تقوم على الربط بين الأمن الوطني والانسجام المجتمعي، في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

ويمكن فهم التشديد الملكي على أن "الجنسية ليست ورقة تُمنح بل عهد وميثاق" كإطار نظري لهذه السياسة، حيث تتحول الجنسية إلى رمز للالتزام السياسي والأمني، وليس مجرد رابطة قانونية. كما أن دعوة المشرعين للاعتذار أو الاصطفاف مع من يدعمونهم تعكس سعيًا لضبط المجال السياسي الداخلي ومنع أي تباينات قد تُستغل خارجيًا.

وتبدو الإجراءات البحرينية جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز مناعة الدولة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، عبر الجمع بين الحزم القانوني والرسائل السياسية الصارمة، في محاولة لقطع الطريق أمام أي اختراقات قد تمس استقرار البلاد أو تماسكها الداخلي.

وأعلنت البحرين في وقت لاحق من اليوم الجمعة رفضها تصريحات إيرانية بشأن إسقاط الجنسية عن 69 مواطنا اتهمتهم المنامة بتأييد اعتداءات طهران، واعتبرتها "تدخلا سافرا" في شؤونها الداخلية.

وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال إن "إسقاط الجنسية بذريعة التعاطف مع إيران يعد تجسيدا لنهج تمييزي"، منتقدا ما وصفه بأنه "انتهاك صارخ لحقوق الإنسان".