روبوت ذكي يزرع الشرائح الدماغية بسلاسة

التطورات الجديدة في الشرائح تنقل التفاعل البشري من الشاشات الرقمية إلى التحكم المباشر بالأجهزة والأطراف الروبوتية.

واشنطن ـ  تمضي شركة نيورالينك، المعنية بتطوير تقنية الواجهة الدماغية-الحاسوبية، في مسارها التقني بخطى متسارعة لافتة للنظر. وفي آخر إنجازاتها، كشفت الشركة عن روبوت جراحي متخصص صُمِّم لأتمتة عملية زرع شرائحها الدماغية، في خطوة تُعدّ نقلة نوعية على صعيد السلامة الطبية والقابلية للتوسع.

وأوضحت الشركة في بيانها الرسمي أنها "أنشأت روبوتا جراحيا لأتمتة الخطوات الرئيسية في عملية زرع شريحة نيورالينك، بهدف تعزيز السلامة والموثوقية وقابلية التوسع". ويستند هذا الروبوت في عمله إلى ثماني كاميرات وماسحات ضوئية بتقنية التصوير المقطعي التوافقي  تتيح له التنقل داخل أنسجة الدماغ في الوقت الفعلي بدقة بالغة.

وتكمن الإشكالية التقنية الجوهرية في طبيعة هذا الجهاز ذاته؛ إذ تتضمن شريحة نيورالينك خيوطا مرنة بالغة الدقة تفوق رفاعةً الشعرة البشرية، مما يجعل التعامل معها يدويا أمرا عسيرا على أمهر الجراحين.

ولمعالجة هذا التحدي، جُهِّز الروبوت بنظام خماسي المحاور يستوعب مختلف نقاط الدخول إلى الجمجمة، مع تصميم ذراع أكثر كفاءة وإحكاماً.

ومن أبرز التطورات التي أسفرت عنها التجارب الأخيرة، أن الفريق الهندسي نجح في تجاوز الحاجة إلى إزالة الأم الجافية، وهي الغلاف الخارجي الصلب للدماغ، واستُعيض عن ذلك بثقب الروبوت لها مباشرة.

 ويُشكّل هذا التعديل، على بساطته الظاهرة، اختراقا جوهريا؛ إذ يُقلّص زمن التدخل الجراحي، ويُخفِّض مخاطر الإصابة بالعدوى، ويُرسي الأساس لتحويل العملية مستقبلا إلى إجراء روتيني سريع لا يستلزم الإقامة في المستشفى.

وكشف إيلون ماسك في تصريح نشره عبر منصة إكس، عن رؤية مستقبلية جريئة تقوم على التحوّل من مرحلة التجارب السريرية المحدودة إلى التصنيع الواسع النطاق للواجهات الدماغية-الحاسوبية.

وحتى مطلع عام 2026، تلقّى نحو عشرين شخصا زرع هذه الشريحة، غير أن التحوّل نحو الأتمتة يستهدف تقليص قوائم الانتظار الطويلة التي يعانيها مرضى إصابات الحبل الشوكي والاضطرابات العصبية.

ولا تبدو هذه التطورات التقنية مجردة من سياقها الإنساني؛ فقد أثبت المتلقون الأوائل للشريحة فاعليتَها بصورة لافتة. فنولاند أرباو، أول إنسان يخضع لهذه التجربة، تمكّن من التحكم في لعبة 'ماريو كارت' وتصفح الإنترنت بمجرد قوة الإرادة والتفكير.

وجاء الإنجاز الأكثر إثارة على يد كونلي، المتلقي الثاني، الذي نجح في قيادة طائرة مسيَّرة وتشغيل ذراع آلية روبوتية بالفكر وحده.

وتكشف هذه الشواهد عن تطور متسارع في قدرات التقنية، إذ انتقلت في غضون فترة وجيزة من التعامل مع الواجهات الرقمية البسيطة إلى التفاعل الجسدي المعقد مع البيئة المحيطة، مما يفتح آفاقاً جديدة أمام المرضى للاندماج من جديد في الحياة اليومية.

وتسعى الشركة من خلال جهازها المعروف بـ'ذي ليتك' إلى معالجة حالات شلل الحبل الشوكي، والتصلب الجانبي الضموري، وسائر الاضطرابات العصبية.

بيد أن هذا الزخم التقني لا يُسكت أصوات المتخصصين الطبيين الذين يُبدون قلقاً مشروعاً إزاء التوافق البيولوجي على المدى البعيد. ويتمحور القلق الأبرز حول ظاهرة "التندّب الدبقي"، وهي استجابة مناعية يُطلقها الدماغ حين يتعرّف على الشريحة المزروعة كجسم غريب، فيُحيط الأقطاب الكهربائية بطبقة نسيجية واقية.

ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الطبقة إلى حاجز عازل يُضعف الإشارة الكهربائية تدريجيا، مما قد يُفضي إلى تراجع فاعلية الجهاز أو الحاجة إلى تدخل جراحي ثانٍ. ويظل هذا التحدي من أكثر المسائل إلحاحاً أمام الباحثين في هذا الميدان.

وتقف نيورالينك اليوم عند منعطف فارق، تتقاطع فيه إمكانات تقنية هائلة مع مسؤوليات طبية وأخلاقية جسيمة. والرهان الحقيقي لا يكمن في إثبات الجدوى ـ فقد بات ذلك واقعا ملموسا ـ بل في ضمان السلامة على المدى البعيد لمن يضعون أدمغتهم في يد هذه التقنية الوليدة.