أحمد فضل شبلول والبناء الشعري السردي الحكائي

قصيدة الكاتب والصحفي والشاعر المصري تؤسّس لمرحلة جديدة من الشعر العربي التفاعلي.
د. حورية الخمليشي
الرباط

تتّسم القصيدة عند أحمد فضل شبلول بانفتاحها على تجلِّيّات السرد الحكائي انطلاقًا من الشعر وليس العكس. في عمله الشعري "تغريد الطائر الآلي"، الذي يستدعي فضاءً سرديًّا وسائطيًّا يتداخل فيه الشعري والسرديّ الحكائيّ، وينفتح على البُعد التقنيّ الذي يُعدّ من السّمات الأسلوبيّة للشعر الرّقميّ التفاعليّ. بحيث تكتسب القصيدة في هذا الديوان وظيفة مُزدَوَجة. فهي من جهة تعمل على تيْسير التفاعل بين النصّ والمتلقّي عبر البناء التصاعدي للأحداث ومن جهة أخرى نجد إبراز حدود التقنيّة أمام فيض الشعر والخيال. فتعترف آلة الحاسوب عن عجزها أمام سُمُوِّ خيال الشعراء.

وانفتاح قصيدة شبلول على آفاق السرد الحكائي ظهر في سياق التحوُّلات التي عرفته القصيدة العربيّة، ليصبح السيّاق السردي والحكائي من أهمّ مرتكزات القصيدة الجديدة. فمِنهم مَنْ فتح السياق الحكائي على آفاق تراثيّة لانفتاحها على الملاحم الشعريّة وعلى الأساطير داخل القصيدة. ومِنهم مَن انفتح على آفاق شعريّة جديدة ينحاز فيها الشاعر لعصره الذي هو عصر سلطة الصورة والتكنولوجيا والرقميّات. وقد شكّل عصرنا الذي هو عصر الحاسوب والأنترنت والذكاء الاصطناعي تحوُّلاً كبيرًا في تاريخ العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا. هذه التقنيّات التي أفادت القصيدة المعاصرة. وهنا لا أتحدّث عن استثمار التكنولوجيا على مستوى كتابة النص الإبداعي الرّقمي أو كتابة قصيدة بمعجم تكنولوجي تبيِّن مدى تأثير هذه الوسائل على المجتمع، وعلى الشاعر المعاصر من خلال استثماره شعريًّا لتكنولوجيا العصر وعالم الرّقميّات في زمنٍ أصبح فيه الحاسوب الآلي جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان المعاصر.

وتمتاز قصائد أحمد فضل شبلول، وخاصة قصائده الرقميّة، بسرديّة شعريّة عن مأساة الذّات في زمن الشّيفرة. فكان مِن أوائل مَن اهتمّ بالعلاقة بين الإنسان والحاسوب والتّقنيّات الجديدة بشكل عام من منظورٍ شعريٍّ وُجودي بعد أن تحوّل الوسيط الجديد إلى سلطةٍ معرفيّةٍ تعيد أحيانًا إنتاج الخطاب والمعنى. وهو ما يراه تهديدًا للمعنى والجسد الإنساني. ففي عمله الشعري "تغريد الطائر الآلي" استثمر أحمد فضل شبلول الوسائل التكنولوجيّة بطريقة تفاعليّة خلاَّقة ولغة شعريّة أخذت من النثر بعض التقنيات السرديّة التي استعارها من فنّ القصة والحكاية. بالإضافة إلى تقنيّات الحوار في نوعٍ من التداخل الخلاَّق بين الشعر والسرد. ففي الشعر الرقمي تأتي البنية الحكائيّة كطريقة لتيْسير التفاعل بين الشاعر والمتلقي. فالحاسوب هنا مشاركٌ في الحكي. وانهياره أمام الشاعر يكشف عن قدرة الإنسان وعودته دائمًا كمصدر للمعنى وانتصار على التقنيّة مهما بلغت قوّتها.

في "الطائر الآلي" نجد حوارًا مجازيًّا مع الإنسان الآلي، ونوعًا من الدراما السرديّة الرّقميّة التي تتجلّى من خلال الشعر الذي يعيد الثّقة باستمرار إلى جسد الإنسان، بوصفه جسد المعنى في زمنٍ انتشرت فيه الروبوتات الشبيهة بالإنسان، والتي تتطوّر بسرعة مذهلة إلى حدٍّ يجعلها تحاكي إيماءات الإنسان وتصرّفاته، بل وتتشابه معه في ملامح الوجه. وهي روبوتات مزوّدة بتقنيّات الذكاء الاصطناعي، غير أنّ الجسد عند الشاعر يظلّ الملاذ الأخير للمعنى، في مقاومته للتلاشي الرّقمي وسعيه إلى استعادة المعنى بل وإلى استشراف أُفُقه.

في قصيدته "الشاعر والحاسوب"، نجد أنفسنا أمام شخصيّتين متقابلتين: شخصيّة الشاعر الإنسان التي يجسّد فيها الإبداع المقرون بالخيال والعاطفة والمعنى الشعري، وشخصيّة آلة الحاسوب التي تمثّل التقنية والإبداع الخالي من الروح والوجدان. يطلب الشاعر من الحاسوب أن يتحسّس أنباء قلبه المفعم بالتساؤلات إزاء زخم المعلومات اللامحدود، غير أنّ صندوق الحاسوب الخالي من العواطف. يعجز عن ذلك.

ولعلّ الشاعر، في محاولة لطمأنة قلبه، يطلب من الحاسوب أن يذبح فرخًا من أطيار الرغبة ويطلقه في السماء، بعد أن يضع كلّ جناحٍ فوق الآخر، ليعود إليه حمامًا محلّقًا في فضاء الإنترنت. ما يعني أن الحمام رمز الحرّيّة والسّلام يعود افتراضيًّا، كما تختزنه ذاكرة الصندوق الإلكتروني.

 يقول في قصيدة "الشاعر والحاسوب": دخل الشاعرُ صندوق الحاسوبِ/ وقال:/ افتحْ خانات الأسرار/ واجمعْ كلَّ بنات البحرِ الهدَّار/ وتحسَّسْ أنباءَ القلبِ المبحرِ في الظلماتْ/ فعدوِّي الآن يقاتلُني/ بالمعلوماتْ/ قال الصندوقُ:/ عليك الآنَ بفرخٍ من أطيار الرغبةِ/ اذبحْهُ/ ضَعْ كلَّ جناحٍ فوق الآخرِ/ أطلقْهُ../ نحو سماءِ الرهبة/ فيعودُ إليكَ حمَامًا/ داخل شبكة "الإنْتَرْنِتْ / وأضافَ يقول:/ نجد الآن ذئابًا بالآلاف/ تَنهشُ لحم "االأيقوناتِ"../ وتخطفُ أبصارَ المرئيات/ كبِّرْها../ لتقاومَ إغراء الألياف.[1]

ويبرز النّصّ مشكلة الصورة الرقميّة التي استبدلت الرؤية بالحَدَق، والمعرفة بالاستعراض. «ذئاب الأيقونات» التي تنهش الجمال البصري وتلتهم «لحم المعنى» في عالمٍ تسوده الألياف الضوئية والإغراءات المرئية. في هذا المشهد، يقاوم الشاعر سلطة الصورة بالخيال، وسلطة التقنيّة بالجسد الذي لا يزال يحتفظ بحرارته ورغبته.

هكذا يغدو الجسد في القصيدة فضاءً للمقاومة والمعنى، إذ لا يزال «القلب المبحر في الظلمات» يبحث عن أثرٍ للدفء في عالَمٍ يزداد افتراضًا وبرودًا. وهذا ما يجعل القصيدة مثالًا مبكرًا على شعرية الجسد في الوسائط الرقمية، حيث تتقاطع ثيمات المعرفة، الرغبة، الصورة، والذكاء الاصطناعي، ضمن مقاربةٍ تستعيد سؤال الإنسان في مواجهة الآلة.

إنّ القصيدة، في عمقها الفلسفي، تُعيد الاعتبار إلى جسد الشاعر بوصفه آخر معاقل المعنى في مواجهة التلاشي الرقميّ، وتُقدّم نموذجًا لقصيدةٍ تمتح من الحاسوب لغتها، ولكنها تظلّ وفيّةً لنبض الإنسان، الذي لا يزال يكتب بدمه ضدّ حياد الشفرة.

ويستمرُّ حوار الشاعر مع صندوق الحاسوب. هذا الحوار الذي يسعى إلى ترتيب العلاقة مع الكمبيوتر الذي يفتقر لخيال الشاعر وطاقته الإبداعيّة. إنّه كيانٌ عقلانيّ باردٌ، معرّضٌ لأوهامٍ تفتّت خلاياه الضوئيّة وحوّلته إلى جسدٍ بلا روح.

يطرح شبلول في هذا السياق علاقة الحاسوب بالإنسان بوصفها تعبيرًا عن قلقٍ وجوديٍّ يرافق الإنسان في تفاعله مع التقنية الحديثة، حيث يبقى الشاعر هو الفكر والرأس، العقل الخلّاق الذي يظلّ المتحكّم في التكنولوجيا لا العكس. فسلطة الشاعر أقوى من سلطة الحاسوب، إذ يكفي أن يجلس فوق نوافذه - في إشارة رمزية إلى الشّاشة – ليرسل أوامره، فيُفاجأ بأنّ الحاسوب يتكلّم ويستغيث ويشكو تعاسته بعد أن أصبح جسدًا إلكترونيًّا مكسورًا. هكذا يتحوّل الحوار بين الشاعر والحاسوب إلى تجسيدٍ رمزيٍّ لصراع المعنى مع الآلة، ولرغبة الإنسان في أن يستعيد وجوده الحيّ داخل عالمٍ باتت تحكمه الرموز الرقمية والبيانات. يقول: 

جلسَ الشاعرُ فوق نوافِذِهِ/ أرسلَ كلَّ أوامِرِه../ للحاسوب/ ارتجف الحاسوبُ وقال/ يا ألطاف الله../ كيف أجيءُ إليكَ من الآفاقِ تعيسًا/ وأُكَحِّلُ شاشتي/ بدموعِ ملفَّاتي/ لطفا يا ألله/ فغبارُ الأوهامِ/ يفتِّتُ كلَّ خلايايَ الضوئيَّةِ/ آهٍ.../ روحي لا تسمو لخيال الشعراء/ أدركني بزجاجةِ ماء/ ذاكرتي تفقدُ قوتَها/ وخيوطُ برامجِهَا../ تعصاني.. أمرًا.. أمرًا../ .. خيطًا.. خيطًا/ تعلنُ ثورتَها../ شبكاتُ العالمِ تخنقني../ وحواسيبُ الكون../ تغادر أسلاكي../ وتُحَقِّرُني../ آه.../ فقدتُ الآن «ابرامج تشغيلي»../ فتعالَ صديقي../ ضَع اصبعكَ على مفتاحي../ وانقُرْ/ لأرَاكَ../ أرى بحركَ يتماوجُ/ في صدرِكَ/ وبناتِ الأمواج../ يغادرْنَ العرشَ المائيَّ/ ويستلقينَ على شطِّ بلادِكَ.

وهكذا يعلن الحاسوب فقدانه برامج التّشغيل. فهو يحتاج إلى لمسة الشاعر كيْ يُبْصِر بعد أن فقَدَ قوّة ذاكرته وفَقَد خيوطَ برامجه. فاستحال إلى ذاتٍ مضطربةٍ انتابها إحساسٌ بالفشل، ليَعترفَ عن عجزه في إنتاج الإبداع الشعري. والشاعر هنا ينبِّهنا إلى نوعٍ من اختلاط المعنى في عالمٍ مُشفَّر. فالمعنى لا يُختزَل في البرمجة. فعجزُ الحاسوب عن فَهْمِ الشعر دليلٌ على عدم قدرته احتواء معناه. وهي مسألة شعريّة وفلسفيّة تتعلّق بسؤال الذّات والمعنى. فالحاسوب يفتقر للمخيّلة وللروح.

هكذا تجسّد القصيدة حوارًا دراميًا بين الشاعر والحاسوب، حيث تتحوّل الآلة من أداة طيّعة إلى كائن يشعر ويتألّم. ويستعمل شبلول لغة تقنية مشبعة بالمجاز الجسدي، فيُكحَّل الحاسوب بدموع ملفّاته، وتتفكّك خلاياه الضوئية، وتفقد ذاكرته قوتها، في رمزية لانهيار النظام الرقمي أمام حرارة الخيال الإنساني. فالشبكات تتمرّد، والبرامج تتعطّل، في إشارة إلى عجز التقنية عن استيعاب الروح الشعرية. وفي النهاية، يُعيد الشاعر الحياة إلى الآلة بلمسة إنسانية ("ضع إصبعك على مفتاحي")، فتتجدد الرؤية وتعود رموز الماء والبحر، دالّة على التطهير والبعث.

إنّ روح الحاسوب عند الشاعر لا تسمو لخيال الشعراء. وهو سؤالٌ جوهري حول علاقة الإنترنت بالشعر والأدب عمومًا في زمن كثُرَ فيه الحديث عن سؤال الوسائط الجديدة والمستجدّات التقنيّة التي أصبحت جزءًا من حياتنا. وأحمد فضل شبلول يحاول مقاومة الاستلاب الرقمي والحفاظ على الجسد الشعري. فكتب القصيدة الرقميّة بنزعةٍ شعريّةٍ سرديّةٍ إنسانيّةٍ. كما أنّ البِنْية الحكائيّة السرديّة في القصيدة متواشجة مع القصة داخل نسقٍ واحدٍ يبقى أساسه الشعر. يقول: اغرُبْ عن وجهي/ فبرامجُ ضعفِكَ/ لن تؤذيني/ وذئابُكَ../ ما أتعسها/ أطلقتُ قصائدَ روحي../ موسيقى شِعري/ لتطارِدهَا/ أمَّا فرخُ الأطيارْ/ فسنذبحه قبل الإبحارْ/ لتشاهدَ دَمَهُ/ يتصعلَكُ في قلبِ../ خلايَاكَ الضوئيَّة.

هكذا نلاحظ أنّ الشاعر يجعلنا نواكب الحالة النفسيّة لكلٍّ من الشاعر والحاسوب. لكنّ الشاعر لا يحكي عن الحاسوب بل يجعله مشاركًا في فعل الحكي بعد أن جعل من الحكاية إطارًا دراميًّا للقصيدة الشعريّة. بذلك تقدّم القصيدة رؤية إنسانية نقدية للعصر الرقمي، تُظهر أن الإبداع لا يُختزَل في البرمجة، وأن الشعر يظلّ آخر معقل للروح في زمن الآلة.

وتتمثّل القصيدة منذ البداية معطيات سرديّة في البناء والتركيب لإنجاز المعنى الشعري، مع انتساب الشعر إلى القصيدة دائمًا، والمحافظة على نسق القصيدة. فشبلول يزاوج في كتاباته بين "فنّ السّرد" و"فنّ الشعر"، وهو ما نلمسه في قصائده "كعبة الأرقام"، و"العطر والآلة الحاسبة"، و"مطايا للحواسيب"، و"ذاكرة الإنترنت"، و"من علياء الإنترنت"، و"وحدي في صفحات الإنترنت" .. ويعبِّر الشاعر عن الأفكار التي يواجه بها زمنًا آليًّا في هذه المدينة الرقميّة التي تنساب في هاتفه المحمول. زمنٌ يبدو فيه كلُّ شيءٍ آليٍّ بما فيه بسمة الموناليزا في عالمٍ أصبحت فيه الحروفُ أرقامًا، بل حتى الحروف التي هام بها الشعراء كالمتنبي، وشوقي، ونزار أصبحت مجرّد أعدادٍ تَحْيَا وتسقط في فضاء "الفيس بوك" وصرخات "الشات"، إلى أن استحالت مدينتنا إلى كعبة أرقام. فعليكَ أن تختار وتتبختر في الأرقام لكن بلا أحلام بتعبير الشاعر. وكم هي ثمينةٌ لحظاتنا التي تمضي بلا أحلام.

واستوحى الشاعر قصائده أيضًا من عوالم الفضاء والفيزياء والمجرّات، والنجوم، والكواكب، والمذنّبات. فكتب "القصيدة الفضائية"، و"حوار مع كوكب نبتون"، و"القصيدة النووية"، و"قراءة في كتاب المستقبل".. وهي قصائد جاءت بصُوَر شعريّة جديدة مستوحاة من هذه العوالم الفيزيائيّة الحديثة التي تحمل في عمقها بُعدًا فلسفيًّا. وقد سبق أن أشرتُ إلى هذا الجانب في العديد من الدراسات إذ نجد هذا عند محمود درويش في "أثر الفراشة" فقد استعار مفهومها من نظرية الفوضى. وهي نظرية فلسفيّة فيزيائيّة مفادها أن الأشياء الصغيرة لها تأثيرٌ كبيرٌ. وهي من النظريات العلميّة التي كانت مصدر إلهام للعديد من الأدباء والفنانين. فرفرفة جناحي الفراشة ضعيف وقد لا يُرى لكنها قد تؤدي بعد فترة زمنية إلى أشياء كبيرة. 

ففي قصيدة أحمد فضل شبلول "حوارٌ مع الكوكب نبتون" نجد أنّ هناك نوعًا من التّنبّؤ بمستقبل العلاقة بين الإنسان والحاسوب بلغة مستقاة من علم الفيزياء ومن التقنيات الحديثة استثمر فيها الشاعر خاصّيّة السرد والحوار بطريقة حكائيّة مشوِّقة عمد فيها إلى أنسنة الأشياء بما فيها الكواكب والمجرّات. فهو يحكي عن الكوكب نبتون الذي جاءه يبكي من سطوع السنديان في مدار أسئلة القرن الهالك في وقتٍ لم يحِن فيه بعدُ وقت هذا اللّقاء. فطلب منه الشاعر أن يعود مع القرن الجديد. يقول: "قلتُ: لا / لم يحنْ وقتُ هذا اللقاء/ قالَ لي:/ إنكم أهلُ هذي الرسالات والأنبياء/ إنكم أهلُ تلك الكواكب والعلماء/ أنتمُ الشعراء/ قلتُ: لسنا الآن منها/ عُدْ غدًا أو بعد ذلك/ قرنُنا العشرون هالك/ عُدْ مع القرنِ الجديد/ ربما أسْتطِيعُ حلَّ المشكلة/ ربما أكتبُ شِعْرًا/ عن حيود الظاهرة/ أو أرجُّ المُشْترى/ في مدار الأسئلة."[2]

ومن الملاحظ أنّ النص الشعري عند شبلول يطرح سؤال الوجود الإنساني زمن الرّقمنة. فهو بطريقة غير مباشرة يطرح سؤال: هل ما زال الشعر ممكنًا حين تكتب الآلة القصيدة؟ فالشاعر لا يرفض التقنيّة، لكنّه يدعو إلى مصالحة مؤجّلة معها وإلى لقاء مشروط بعودة الوعي والخيال إلى مركز الكون. فالشاعر يرفض التّماهي مع زمن لا يخصُّه بعد. زمن لم ينضج إنسانيًا رغم تقدمه علميًا. ردّ الحاسوب على الشاعر "إنكم أهل الرسالات والأنبياء" دليل على اعتراف الآلة بأنّ الشاعر هو نبيّ عصره، وهي الفكرة التي كانت سائدة عند الشعراء الرومانسيّين، والشعراء هم ورثة النور القديم. لكن الشاعر يردُّ: "لسنا الآن منها"، ليؤكد انفصام الإنسان المعاصر عن رسالته الأولى.

فالشاعر اليوم يعيش في زمن الرّقمنة وسلطة الصورة، حيث تتعمّق غربة الإنسان عن ذاته النبوية والشعرية. ويعود الشاعر إلى حقل الفكر العلمي حين يقول: "ربّما أكتب شعرًا عن حيود الظاهرة، أو أرج المشترى في مدار الأسئلة."

ومفهوم حيود الظاهرة مأخوذ من علم الفيزياء، ويعني انحراف الموجات عند مرورها بعائق، غير أنّ الشاعر يوظّفه توظيفًا مجازيًّا فلسفيًّا يدلّ على انحراف الرؤية الشعرية نفسها في زمننا الراهن؛ رؤيةٍ تحاول أن ترى في الظاهرة العلميّة ما يتجاوز حدود العلم نفسه، بالغوص في الماورائيّات، والوجود، واللانهائي.

لقد جعل الشاعر من عبارة "أرج المشترى في مدار الأسئلة" نوعًا من استعادة الشعر لسلطة السؤال على سلطة الجواب، فـ"المشتري" هنا موضوعٌ للدهشة الشعرية الكونيّة. وأهمّ ما يثير الانتباه هو فلسفة الزمن والتحوّل في القصيدة، التي لا تشير إلى الزمن المادّي، بل إلى زمن الوعي الشعري. يقول الشاعر: "قرنُنا العشرون هالك / عُدْ مع القرنِ الجديد"، وهي دعوة إلى العودة بولادة إنسانٍ جديد في زمنٍ يوفّق بين الفكر والشعر، والآلة والخيال، حتى لا ينسى الإنسان جوهره الشعريّ الأصيل.

ويبحِرُ الشاعر إلى أعماق الذّات وأعماق النفس الإنسانيّة في "دفتر العقل". وهو إشارة إلى دفتر يتكلّم بلغة الحاسوب، وعقل يفكّر بلغة الشعر التّخييليّة. وهو نوعٌ من تحدّي العقل للآلة. فأحيانًا يصبح حاسوبه لصًّا للمعلومات يقول في "دفتر العقل": حاسوبي يقرأ عقلي../ ويبرمجني/ يسرق أفكاري../ ويهدّدني/ يتغلْغلُ داخل أعصابي../ ويُشتِّتُني. فقدرة عقل الشاعر تتفوَّق على قدرة الكمبيوتر. وكثيرًا ما يدعو الحاسوب الشاعر ليضع أصابعه على مفاتيحه التي لا روح فيها ليتابع عمله من جديد.

فلا يستطيع الحاسوب استشعار العواطف والأفكار بالطريقة التي يستشعر بها الإنسانُ الأشياء. فالحاسوب هنا يقرأ عقل الشاعر، إذ انقلبت علاقة السّيْطرة. فليس الإنسان مّن يقرأ الحاسوب بل العكس. هذه الصورة تثير قلق الشاعر من تلاشي الذات المفكرة المبدعة أمام الذكاء الصناعي. فالشاعر لم يعدْ يُبرمِج بل يُبرمَج، أي صار كائنًا مُبرمَجًا ممّا يعكس التّحكّم الماورائي للآلة بالإنسان، بل أكثر من هذا يسرق أفكاره ويهدّد. إشارة إلى التجميع الرقمي للمعلومات التي تمتصُّ فكر الشاعر وإبداعه وتعيد إنتاجه بلا روح. فيتشتّتُ فكر الشاعر حين يتغلغل داخل أعصابه ويصبح جسدًا مفتوحًا على الاختراق. فتختفي الكينونة الحقيقيّة للإنسان. ويفقد ذاته ضمن شبكات المعلومات. فالآلة تكتب وتقرأ لكنها لا تفكّر، فتصبح الكتابة هنا مؤشّرًا على موت المؤلف. النص الشعري ليس وصفًا لعلاقة بين شاعر وحاسوب فحسب، بل تشخيصٌ لمرحلة الوعي الإنساني في زمن ما بعد الحداثة الرقمية. هي نداء العودة إلى روح الشعر أمام تكنولوجيا تسعى لاحتكار الفكر والروح.

وهنا يمكن القول إنّ قصيدة شبلول تؤسّس لمرحلة جديدة من الشعر العربي التفاعلي، الذي يُوظِّف السرد والحوار والتقنيّة في صياغة ميتافيزيقا شعريّة للإنسان في العصر الرقمي، تجعل من القصيدة فضاءً فلسفيًا وجماليًا لمساءلة العلاقة بين الشعر والآلة والمعنى. كما تحمل قصيدته رؤية فكرية وفلسفية متعددة التشكيلات تُجاري إحساسنا بتحوّلات العصر، وتضع الشاعر في مدار الأسئلة المفتوحة. فأسئلة الشعر، عند شبلول، لا تنتظر جوابًا، لأنها أسئلة منفتحة على المجهول واللانهائي، حيث يتحوّل السؤال ذاته إلى جوهر التجربة الشعرية وشرط وجودها.


[1]    أحمد فضل شبلول، تغريد الطائر الآلي، ط. 3، المفكر العربي، 2024، ص. 5-10

[2]  أحمد فضل شبلول، تغريد الطائر الآلي، ط. 3، المفكر العربي، 2024، ص. 49-50