أدب الطفل 'تحصين وقائي' يعزز الأمان النفسي والثقة بالنفس
مسقط – يسهم أدب الطفل في تعزيز القيم الإنسانية الإيجابية وتحمل المسؤولية، ما يجعل الطفل قادرًا على فهم واقع محيطه والتفاعل معه بوعي تامّ، ويقوم بدور وقائي مهمّ، بتزويد الطفل بالمعرفة التي تمكّنه من حماية نفسه ذهنيًّا وفكريًّا، ليعزّز قدرته على التّعبير عن مشاعره وطلب المساعدة عند الحاجة.
وعن الحكاية القصصية وبناء الوعي المبكر لدى الطفل، تقول الدّكتورة وفاء بنت سالم الشامسي المختصة في أدب الطفل، في حديث لوكالة الأنباء العمانية، أن الحكاية القصصية الموجّهة للطفل اليوم لم تعد مجرد أداة للترفيه أو تمضية الوقت، بل أصبحت ضرورة استراتيجية في بناء جدار الحماية النفسي والاجتماعي للطفل.
وتنوه أنه في ظل الظروف غير الاعتيادية التي يمر بها الطفل "نجد أنفسنا أمام مسؤولية أخلاقيّة وأدبيّة تحتّم علينا ابتكار أدوات توعوية تتجاوز الأساليب التقليدية. ورغم أن الاشتغال الأدبي القائم حاليًّا يسلط الضوء على هذه الجوانب التوعويّة، إلا أننا نلحظ أن أغلب هذه المحاولات ما زالت حبيسة طرق العلاج التقليديّة أو المباشرة التي تعتمد على 'التحذير الفج' أو 'التلقين الجاف'، وهو ما قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسيّة، حيث يُثقل كاهل الطّفل بمخاوف تفوق عمره الزّمني أو يخدش براءته الفطرية دون أن يمنحه أدوات حقيقيّة للمواجهة".
وتضيف الشامسي، تكمن قوة الحكاية في قدرتها على ترسيخ مفاهيم التربية السّليمة من خلال بناء وعي مبكر بـ 'حدود الذات' وخصوصية الجسد بأسلوب جمالي غير مباشر. "فنحن نستخدم الرمز والاستعارة لتحويل المفاهيم المعقّدة إلى صور ذهنية بسيطة؛ فعندما نتحدث في القصة عن "الدائرة الخاصة" أو "الفقاعة السحرية" التي لا يحق لأحد تجاوزها دون إذن، ونمنح الطفل لغة قانونية ونفسية في قالب قصصي ممتع. هذا الوعي المبكر هو ما نسمّيه في أدب الطفل بـ"التحصين الوقائي"، حيث يتعلم الطفل أن جسده ملكية خاصة، وأن له الحق الكامل في قول "لا" لأي سلوك يجعله يشعر بعدم الارتياح، وهو ما تدعمه الدراسات الميدانية التي تؤكد على أن الأطفال الذين تعرضوا لبرامج توعوية قصصية هم الأكثر قدرة على الإفصاح المبكر وحماية أنفسهم مقارنة بمن تلقوا نصائح مباشرة وجافة.
وهناك دور للسرد غير المباشر في هذا السياق فهو يلعب الدور المحوري في التحصين النفسي والسلوكي من خلال مسارات حيويّة تبدأ بـ "الإسقاط الرمزي"، الذي يتيح للطفل مشاهدة مواقف الخطر من خلال شخصيات خياليّة، مما يقلّل من حدّة التوتّر النّفسي ويسمح له باستيعاب الدرس الوقائي بسلام.
كما يسهم السرد في بناء الثقة بالذات وتعزيز صورة الطفل ككائن قوي يمتلك إرادة وقرارًا، بدلًا من تصويره كضحية ضعيفة، مما يرفع من كفاءته الاجتماعية وقدرته على التمييز بين اللمسة الحانية واللمسة المُريبة.
ويزود السرد القصصي يزود الطفل بـ"لغة المشاعر" اللازمة لوصف ما يمر به من خوف أو ارتباك، وهي الخطوة الأولى والأساسية في كسر حاجز الصمت الذي غالبًا ما يفرضه المعتدي. وتنوه الشامسي "إننا كمتخصصين في أدب الطفل، نؤمن بأن 'صفاء الطفولة' لا يعني تغييب الوعي، بل يعني تقديم الحقيقة في ثوب من الجمال. إن الحكاية التي نكتبها اليوم هي بمثابة 'مصل وقائي' يحمي الطفل من التجاوزات التي ترصدها الإحصاءات، وهي في الوقت ذاته تبني إنسانًا واعيًا بحدوده، محترمًا لخصوصيته، وقادرًا على العيش في عالم معقّد بقلب مطمئنّ وعقل يقظ، بعيدًا عن أساليب الترهيب المباشرة التي قد تطفئ بريق الطفولة قبل أوانها".
وفيما يتعلق بأدب الصورة وتعزيز الأمان النفسي للطفل والثقة بالنفس، وغرس القدرة على التمييز بين السلوك السليم وغير السليم، يتحدث الفنان التشكيلي داؤود بن سليمان الشبلي عن هذا الأدب وكيف يمكن أن تكون وسيطًا تربويًّا داعمًا للوقاية من التّجاوزات، دون اللّجوء إلى الخطاب المباشر ويقول "تُعدّ الصورة من المؤثّرات القويّة على عقل الطّفل وبالتالي على ذاكرته ونفسيّته وتشكل جانبًا كبيرًا من شخصيته المُستقبلية التي من خلالها تتمحور قراراته سواءً على الصعيد الشخصي أو المجتمعي. ومهما كانت هذه الصورة ثابتة أو متحركة، واقعيّة أو كرتونيّة، فإنها تصبّ بشكل كبير في إناء الوعي التراكمي لدى الطّفل. فهو غالبًا ما يكون في هذه المرحلة العمرية مستقبل جيّد ومتأثر بكل ما هو مُحيط به وبالأخصّ المدخلات البصرية إلى جانب المدخلات الحسية الأخرى. وعليه يمكن استغلال هذا الجانب كأداة تربوية يمكن من خلالها غرس الكثير من الجوانب التربويّة والقيم المجتمعيّة بصورة غير مباشرة.