أربيل تطالب بغداد بحصتها من الموازنة وفق التعداد السكاني

الخلاف المالي يتجاوز طابعه التقني ليعكس صراعا أعمق حول الصلاحيات الدستورية وتوازن السلطة بين المركز والإقليم، خصوصا في ظل غياب قانون النفط والغاز الاتحادي الذي طال انتظاره.

أربيل - في تطور جديد يعكس استمرار حالة التوتر السياسي بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية العراقية، طالب مجلس وزراء الإقليم، الأربعاء، بغداد بإرسال حصته من الموازنة العامة بنسبة 14.1 في المئة وفق نتائج التعداد السكاني، مؤكدا أن الالتزامات المالية لا ينبغي أن تقتصر على تمويل الرواتب فقط، بل تشمل المستحقات الكاملة المنصوص عليها قانونا. وجاءت هذه المطالبة خلال الاجتماع الاعتيادي للمجلس برئاسة مسرور بارزاني وحضور نائبه قوباد طالباني، بحسب بيان رسمي.

واستهل الاجتماع بعرض قدمه وزير المالية والاقتصاد حول الوضع المالي للإقليم، وتحديدا ما يتعلق بتمويل رواتب شهر فبراير/شباط، إضافة إلى نتائج اللقاء الأخير للفريق المشترك بين ديواني الرقابة المالية الاتحادي والإقليمي بشأن الالتزامات المتبادلة.

وأكد المجلس أن الإقليم أوفى بجميع ما عليه من التزامات مالية ونفطية، وأن وزارة مالية الإقليم ترسل البيانات الشهرية وقوائم الرواتب إلى نظيرتها الاتحادية بشفافية كاملة ومن دون نقص، في محاولة لنزع أي ذرائع قد تُستخدم لتأخير التحويلات المالية.

وشدد على ضرورة إرسال مبلغ 120 مليار دينار الخاص بشهر فبراير/شباط قبل أي نفقات أخرى، لضمان عدم تأخير صرف الرواتب. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن ملف الرواتب ظل خلال السنوات الماضية أحد أبرز أدوات الضغط بين الطرفين، إذ يتهم مسؤولون أكراد بغداد باستخدامه كورقة سياسية للضغط على الإقليم، في حين تقول السلطات الاتحادية إن التأخير مرتبط بإجراءات تدقيقية وفنية.

وهذه الأزمة ليست جديدة، بل تمثل واحدة من العقد المزمنة التي تطبع علاقة الإقليم بالحكومة المركزية منذ سنوات، حيث ظل الخلاف قائماً حول آلية احتساب حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية وحول التزامات تصدير النفط وتسليم الإيرادات. ويرى مراقبون أن الخلاف المالي يتجاوز طابعه التقني ليعكس صراعاً أعمق حول الصلاحيات الدستورية وتوازن السلطة بين المركز والإقليم، خصوصاً في ظل غياب قانون النفط والغاز الاتحادي الذي طال انتظاره.

وينظر قادة في أربيل إلى مسألة الرواتب وحصة الموازنة بوصفها وسيلة ضغط ممنهجة تُستخدم عند تصاعد الخلافات، وهو ما يصفه بعضهم بـ"الابتزاز المكشوف"، معتبرين أن ربط قوت الموظفين بالخلافات السياسية يفاقم الاحتقان الشعبي ويضر بثقة المواطنين بالمؤسسات.

وفي المقابل تؤكد أطراف اتحادية أن تحويل الأموال يجب أن يرتبط بالتزام الإقليم ببنود الاتفاقات المالية وتسليم الإيرادات النفطية، ما يعكس انعدام الثقة المتبادل.

وفي محور آخر من الاجتماع، عرض وزير شؤون البيشمركة تقريراً حول خطوات إصلاح المؤسسة العسكرية في الإقليم وإعادة تنظيم القوات تحت مظلة وزارة البيشمركة ضمن هيكلية موحدة. ووصف المجلس هذه الخطوة بأنها تاريخية ومهمة لأنها تعزز الطابع المؤسسي للقوات وتحدد صلاحيات القيادات العسكرية، مشيداً بدعم الشركاء الدوليين لعملية الإصلاح، وموجهاً الجهات المعنية إلى المضي في تنفيذ الإجراءات وفق المحضر المشترك المصادق عليه.

ويُنظر إلى إصلاح قوات البيشمركة بوصفه ملفاً استراتيجياً لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى البعد السياسي أيضاً، إذ أن توحيد القوات يعزز موقع الإقليم التفاوضي مع بغداد، ويحد من الانقسامات الداخلية، كما يمنح الإقليم صورة أكثر تماسكاً أمام المجتمع الدولي. لذلك فإن توقيت إبراز هذا الملف بالتوازي مع أزمة الموازنة يعكس محاولة لإظهار أن الإقليم يعمل على إصلاح مؤسساته بالتزامن مع مطالبته بحقوقه المالية.

أما في الشق الخدمي، فقد وافق المجلس على تمديد العمل بقرار إعفاء 20 في المئة من الغرامات المرورية حتى 30 يونيو/حزيران 2026، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وتعزيز الامتثال للقوانين المرورية. ورغم أن هذا القرار يبدو إدارياً، فإنه يحمل دلالة سياسية غير مباشرة، إذ تسعى حكومة الإقليم إلى إظهار قدرتها على اتخاذ إجراءات تخفف الضغوط الاقتصادية في ظل الأزمة المالية مع المركز.

وتشير مجمل التطورات إلى أن العلاقة بين أربيل وبغداد ما تزال محكومة بمعادلة معقدة عنوانها التعاون المشروط والتصعيد المتكرر، فكلما برز خلاف مالي عاد التوتر السياسي إلى الواجهة، وكلما جرى التوصل إلى تفاهم مؤقت عادت الخلافات لتظهر عند أول استحقاق مالي جديد.

وفي ظل غياب تسوية شاملة ودائمة، يبدو أن ملف حصة الإقليم من الموازنة سيبقى أحد أبرز مفاتيح الصراع وأدوات الضغط المتبادل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي يحدد بوضوح الحقوق والالتزامات بعيداً عن الحسابات السياسية المتغيرة.