'أرتميس 2' والخيال العلمي: دروس ملهمة

عودة الإنسان إلى القمر تمثّل محطة محورية تجمع بين الريادة العلمية والإلهام الثقافي، وتؤكد على الدور الجوهري للفانتازيا في تحفيز الابتكار التكنولوجي وصناعة مستقبل الاستيطان البشري في الفضاء.

عاد القمر ليصبح محور تطلعات العالم، ولكن هذه المرة ليس فقط للإستكشاف بل للإستيطان أيضا. ويُعتبر برنامج "أرتميس" التابع لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" مشروعاً طويل الأمد يهدف إلى ضمان إستيطان بشري مستدام على سطح القمر. 

وقد مثّلت مهمة "أرتميس2 " التي انطلقت في الأول من أبريل/نيسان 2026، واستغرقت 10 أيام، أول رحلة عودة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 50 عامًا، أي منذ عصر أبولو. وقطع طاقم الرحلة والمكون من أربعة رواد فضاء مسافة تجاوزت نصف مليون ميل (694,481 ميلًا، أي ما يُعادل 1.1 مليون كيلومتر تقريبًا).
"أرتميس 2"، ليست مجرد تحليق حول القمر، بل محاولة لإستكشاف آفاق جديدة قد تغير عالمنا.

وقد اكدت هذه المهمة على قيمة وأهمية الخيال العلمي في تطور العلم والتكنولوجيا، وأنه أحد المداخل المهمة والاستراتيجيات الحديثة حالياً لتنمية الإبداع والابتكار وإعداد العلماء بالدول المتقدمة.
 يقول عالم النفس الأميركي الشهير اليكس أوسبورن في مقدمة كتابه "الخيال التطبيقي" الذي نشر عام 1953، في غمرة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، إن الخيال هو الذي صنع أميركا، وإنه لا انتصار لأميركا إلا بإنتاج الأفكار المبدعة.
وقد أشار إلى ذلك كاتب المستقبليات الأميركي ألفين توفلر في كتابه "صدمة المستقبل" بقوله "قراءة الخيال العلمي أمر لازم للمستقبل"، كما أشار لذلك أيضًا كاتب الخيال العلمي البريطاني الشهير آرثر سي كلارك في كتابه "لقطات من المستقبل" بقوله "القراءة النقدية لأدب الخيال العلمي هي بمثابة تدريب أساسي لمن يتطلع إلى الأمام أكثر من عشر سنوات".

عندما هبطت أبولو 11 لأول مرة على سطح القمر عام 1969، وصف رواد الفضاء إنجازهم بأنه تحقيق لحلم خيالي علمي. وفي بث تلفزيوني أثناء عودتهم، استحضر نيل أرمسترونغ صراحةً رواية جول فيرن "من الأرض إلى القمر" الصادرة عام 1865، واصفاً مركبته الفضائية وطاقمها بأنهم "كولومبيا العصر الحديث"، في إشارة مباشرة إلى المركبة الفضائية "كولومبيا" التي تخيلها فيرن وهي تقلع من فلوريدا وتهبط في المحيط الهادئ. 

لقد شجعت مهمات "أبولو" ما أطلق عليه الخبراء آنذاك "جيل أبولو"، ملهمةً جيلًا كاملًا من الأطفال للتطلع إلى استكشاف الفضاء، وسوف تشعل مهمة "أرتميس 2 "، خيال أجيال اليوم من الأطفال والشباب بنفس القدر.
وما يجعل رواية فيرن "من الأرض إلى القمر"  الصادرة عام 1865، رواية تنبؤية ثاقبة، هو أنه قبل قرنٍ من هبوط الإنسان على سطح القمر، أدرك أن رحلة القمر لن تكون فقط عملاً علمياً مجردأ، بل  أيضاً ستكون جزءاً من سياقٍ سياسي واجتماعي واقتصادي، كما أن رؤية فيرن، قد أثرت على معظم المهندسين والعلماء الذين جعلوا رحلات الفضاء البشرية ممكنة، مثل روبرت غودارد وكونستانتين تسيولكوفسكي، وهما يعدان من أبرز علماء الصواريخ والفضاء في القرن العشرين. وفي رواية فيرن، اختيرت مدينة تامبا بولاية فلوريدا لتكون "مدينة القمر"، التي سينطلق منها الصاروخ المتجه إلى القمر. وقد شكل ذلك طفرة اقتصادية هائلة للمدينة، تمامًا كما شهدت مدن حقيقية في فلوريدا وتكساس وغيرها نموًا اقتصاديًا وسكانيًا في القرن العشرين بفضل برنامج أبولو.

قال عالم الفضاء والجيولوجيا العربي الدكتور فاروق الباز، في تقديمه لكتابي (بالاشتراك مع الكاتبة والباحثة صفات سلامة) بعنوان "الخيال العلمي وتنمية الإبداع" الصادر عن "ندوة الثقافة والعلوم بدبي"، إن الخيال العلمي يمثل إحدى المبادرات الأدبية الفريدة، وإنه من صفات الإنسان المفكر الذي لا يكبح جماح عقله أي حدود.

وأضاف أن الخيال العلمي يضيف الكثير إلى حب التمعن والتساؤل الذي يشجع الطفل على البحث عن مزيد من المعرفة، وضرب لأهمية وقيمة الخيال العلمي بمثال أثناء عمله في برنامج "أبوللو" لاستكشاف القمر بين عامي 1967 و1972، حيث أكد على الدور المهم الذي لعبه الخيال العلمي في إلهام رواد "برنامج أبوللو" في تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، فقال إنه، أثناء عمله في برنامج "أبوللو"، اطّلع زميل على نسخة من رواية "من الأرض إلى القمر" لرائد الخيال العلمي المبدع الفرنسي جول فيرن، التي كتبها عام 1865، وكانت هذه النسخة من أوائل الطبعات وشملت رسومات طلبها وحققها فيرن بنفسه، واتضح بدراستها أنها تقارب بشكل كبير الحقائق الواقعة في الستينيات بشأن تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، ووقتها أصدرت مجلة "لايف" Life الأميركية ألبومًا للرسومات القديمة والحديثة معًا.

وقال الدكتور الباز في تقديمه للكتاب بأنه، بمناقشة ذلك مع مدير مشروع "أبوللو"، قال إنهم كانوا في الصغر يحرصون على قراءة أعمال الكاتب جول فيرن، ولهذا انطبعت رسومات وأشكال رواية فيرن "من الأرض إلى القمر" في ذاكرتهم، ولما حان الوقت لإعداد مركبات "أبوللو" انبثق كل ذلك وأثر بشكل كبير على تصميماتها.

وقال العالم العربي الدكتور أحمد زويل - الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 - في إجابته عن سؤالي في ندوة "بمؤسسة الأهرام" المصرية في التسعينات، إن "الجميل في أميركا، وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميًّا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، وإذا لم يتخيل العالم ويحلم فسيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئًا".

كما كان لمهمة"أرتميس2 " تأثير في الثقافة الشعبية. فقبل إطلاقها، انجذب عشاق الخيال العلمي إلى الضجة الإعلامية التي أحاطت بفيلم "مشروع هيل ماري" (Project Hail Mary)الذي صدر في مارس 2026، والمقتبس من رواية كاتب الخيال العلمي الأمريكي آندي وير والصادرة عام 2021 ، وقد ساهمت ناسا في ذلك بتصريحها أن رواد الفضاء شاهدوا الفيلم قبل الإطلاق، بل وأشارت إليه مراراُ في منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك اقتباسات منه في مركز التحكم بالمهمة. 

كما أن مهمة "أرتميس2 "، ستتيح الفرصة لتعزيز وإلهام أجيال جديدة للنظر إلى أهمية العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات(STEM)  في تحفيز الإبداع والإستكشاف، والتخصص في مجالات مثل الاتصالات والروبوتات وتقنيات دعم المهمات، مما سيمكّن من استكشاف القمر في المستقبل.  

تُعدّ مهمة "أرتميس 2" خطوةً مهمةً في سباق الفضاء المعاصر، ورسم ملامح مستقبل العلوم والاستكشاف، وإلهام العقول الشابة نحو مسارات مهنية جديدة في العلوم والتكنولوجيا.

لقد أصبح الاهتمام بأدب الخيال العلمي في عالمنا العربي ضرورة عاجلة لتأهيل الجيل الصاعد للإبداع، واللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي، حتى ترتفع راية العرب مرة أخرى في مكان يليق بحضارتنا بين الأمم. ولعل بداية الاهتمام الحقيقي والجاد بالخيال العلمي في عالمنا العربي تكون في إطلاق مراكز متخصصة في الخيال العلمي، فهل نحن فاعلون؟