الخيال العلمي كإستراتيجية للابتكار.. الإمارات نموذجاً
يعد الخيال العلمي من علوم الحاضر والمستقبل المهمة في تطور العلم والتكنولوجيا، كما أنه أحد المداخل المهمة والاستراتيجيات الحديثة حاليًا لتنمية الإبداع والابتكار وإعداد العلماء بالدول المتقدمة،
فالخيال هو القوة الأساسية الفعالة وراء كل إبداع واختراع، ولولا الخيال لما وصلت البشرية إلى ما هي عليه الآن ولهذا بدأت الدراسات والبحوث المتصلة بالخيال تستعيد قوتها وترتبط بشدة بالإبداع والابتكار، خاصة أنه لا إبداع من دون خيال، فاكتشاف إسحق نيوتن للجاذبية الأرضية وأوغست كيكولي لحلقة البنزين وآينشتاين للنسبية والعربي عباس بن فرناس للطائرة، كل ذلك وغيره كان نتاج الخيال.
كما أن الخيال العلمي يعد إحدى أهم وسائل نشر وتبسيط الثقافة العلمية بأسلوب مبتكر ومشوق، كما أنه ينمي أسلوب التفكير العلمي ويزيد من قدرة الأفراد على إدراك واستيعاب المفاهيم العلمية، وإيجاد اتجاهات وقيم إيجابية لدى الأفراد تجاه العلم والعلماء، مما يدفعهم لتمثل خطاهم وإتاحة الفرصة للمزيد من الاكتشافات والابتكارات.
لقد ساهم الخيال العلمي، وما زال، في استشراف آفاق الحاضر والمستقبل، فالكثير من الاكتشافات والإنجازات العلمية والتكنولوجية التي تحققت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، قد سبق التنبؤ بها في أعمال الخيال العلمي منذ أواخر القرن التاسع عشر، مثل أشعة الليزر والذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوت وصناعة القنبلة الذرية وبطاقات الائتمان وغزو الفضاء وزراعة الأعضاء البشرية وأطفال الأنابيب والهندسة الوراثية والعلاج الجيني والاستنساخ والنانوتكنولوجيا (التقنيات المتناهية في الصغر)، وغيرها.
فعلى سبيل المثال تنبأ رائد الخيال العلمي البريطاني الشهير هـ. ج. ويلز في روايته "العالم تحرر" عام 1914، باكتشاف الطاقة الذرية وتحررها والإشعاع الصناعي وتطور القنابل الذرية، وكان أول من صاغ واستخدم مصطلح القنبلة الذرية في روايته هذه.
وبعد ذلك استطاع عالم الفيزياء الأميركي المجري المولد ليو زيلارد (1898-1964) أن يؤسس على تنبؤات ويلز هذه معادلات نظرية كانت الأساس في مشروع مانهاتن الأميركي لإنتاج القنبلة الذرية عام 1945.
وقد أدركت الدول المتقدمة أهمية الخيال العلمي في إعداد وتنشئة جيل من العلماء والمبدعين، فقامت بتأسيس مراكز لدراسة الخيال العلمي وإدراجه في مناهج التعليم المختلفة، وافتتاح أقسام دراسية بالجامعات في تخصص أدب الخيال العلمي، وأكدت على أن دراسة الخيال العلمي جزء لا يتجزأ من استراتيجيات المستقبل.
يقول عالم النفس الأميركي الشهير اليكس أوسبورن في مقدمة كتابه الخيال التطبيقي الذي نشر عام 1953، في غمرة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، إن الخيال هو الذي صنع أميركا، وإنه لا انتصار لأميركا إلا بإنتاج الأفكار المبدعة.
وقد أشار إلى ذلك كاتب المستقبليات الأميركي ألفين توفلر في كتابه "صدمة المستقبل" بقوله "قراءة الخيال العلمي أمر لازم للمستقبل"، كما أشار لذلك أيضًا كاتب الخيال العلمي البريطاني الشهير آرثر سي كلارك في كتابه "لقطات من المستقبل" بقوله "القراءة النقدية لأدب الخيال العلمي هي بمثابة تدريب أساسي لمن يتطلع إلى الأمام أكثر من عشر سنوات".
وقال عالم الفضاء والجيولوجيا العربي الدكتور فاروق الباز، في تقديمه لكتابي (بالاشتراك) بعنوان "الخيال العلمي وتنمية الإبداع" الصادر عن "ندوة الثقافة والعلوم بدبي"، إن الخيال العلمي يمثل إحدى المبادرات الأدبية الفريدة، وإنه من صفات الإنسان المفكر الذي لا يكبح جماح عقله أي حدود.
وأضاف أن الخيال العلمي يضيف الكثير إلى حب التمعن والتساؤل الذي يشجع الطفل على البحث عن مزيد من المعرفة، وضرب لأهمية وقيمة الخيال العلمي بمثال أثناء عمله في برنامج "أبوللو" لاستكشاف القمر بين عامي 1967 و1972، حيث أكد على الدور المهم الذي لعبه الخيال العلمي في إلهام رواد "برنامج أبوللو" في تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، فقال إنه، أثناء عمله في برنامج "أبوللو"، اطّلع زميل على نسخة من رواية "من الأرض إلى القمر" لرائد الخيال العلمي المبدع الفرنسي جول فيرن، التي كتبها عام 1865، وكانت هذه النسخة من أوائل الطبعات وشملت رسومات طلبها وحققها فيرن بنفسه، واتضح بدراستها أنها تقارب بشكل كبير الحقائق الواقعة في الستينيات بشأن تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، ووقتها أصدرت مجلة "لايف" Life الأميركية ألبومًا للرسومات القديمة والحديثة معًا.
وقال الدكتور الباز في تقديمه للكتاب بأنه، بمناقشة ذلك مع مدير مشروع "أبوللو"، قال إنهم كانوا في الصغر يحرصون على قراءة أعمال الكاتب جول فيرن، ولهذا انطبعت رسومات وأشكال رواية فيرن "من الأرض إلى القمر" في ذاكرتهم، ولما حان الوقت لإعداد مركبات "أبوللو" انبثق كل ذلك وأثر بشكل كبير على تصميماتها.
وقال العالم العربي الدكتور أحمد زويل - الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 - في إجابته عن سؤالي في ندوة "بمؤسسة الأهرام" المصرية في التسعينات، إن "الجميل في أميركا، وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميًّا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، وإذا لم يتخيل العالم ويحلم فسيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئًا".
وقد أدركت دولة الإمارات قيمة وأهمية الخيال العلمي كاستراتيجية للابتكار، والتي ظهرت جليًّا في رؤيتها ومبادراتها الطموحة التي تربط الخيال العلمي بالواقع التنموي، فحولت مفاهيم المستقبل إلى مشاريع واقعية تجاوزت حدود المستحيل.
ولعل أبرز ملامح الخيال العلمي في الإمارات: مترو دبي الذي يعد تجسيدًا واقعيًا للخيال العلمي، حيث يعمل بنظام قطارات ذكية ذاتية القيادة بالكامل، كما تعد الإمارات في طليعة دول العالم المرشحة لأن تصبح السيارات ذاتية القيادة التي تحاكي الخيال العلمي، جزءًا معتادًا من تفاصيل الحياة اليومية فيها، كما أن إنجازات الإمارات في الذكاء الاصطناعي قد تجاوزت حدود الخيال العلمي، هذا بالإضافة إلى المشاريع الفضائية الطموحة والمستقبلية المستوحاة من الخيال العلمي، كما تقوم الإمارات بدعم أدب الخيال العلمي من خلال إطلاق مؤسسة الإمارات للآداب ومركز محمد بن راشد للفضاء لجائزة "مركز محمد بن راشد للفضاء للقصة القصيرة: أصوات جديدة في الخيال العلمي"، والتي تستهدف دعم أجيال جديدة من الكتاب في أدب الخيال العلمي، للكتابة عن الفضاء، السفر عبر الزمن، والذكاء الاصطناعي.
وأخيرًا يمكن القول بأن مستقبل الإمارات يبدو وكأنه مستوحى من أفلام الخيال العلمي، لكنه حقيقي ويُبنى الآن.
إن أفكارًا وتصورات وتخيلات كبيرة قد تكون عظيمة في صناعة المستقبل، تموت في مجتمعات تحجم ملكات التخيل والابتكار لدى أبنائها، وتقلل من قيمتها، مما يدفع أصحاب هذه التخيلات والأفكار للهجرة لمجتمعات أخرى تتبنى أفكارهم وتخيلاتهم، وتتيح لهم الفرص والظروف لتطبيقها وتحويلها لواقع يعمل على تقدم مجتمعاتهم.
لقد أصبح الاهتمام بأدب الخيال العلمي في عالمنا العربي ضرورة عاجلة لتأهيل الجيل الصاعد للإبداع، واللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي، حتى ترتفع راية العرب مرة أخرى في مكان يليق بحضارتنا بين الأمم. ولعل بداية الاهتمام الحقيقي والجاد بالخيال العلمي في عالمنا العربي تكون في إطلاق الإمارات لمركز متخصص في الخيال العلمي، ويسعدني تقديم خبراتي العلمية والعملية المتواضعة في هذا المجال.