أرشيفنا المستباح ووثائق أوسلو
أرشيف حركات التحرر الوطني إما أن يدخل في عملية إنتاج تاريخ صادق يطابق الواقع، إن بقيت بأيدي أصحابها الثوار، أو أن تُزوَّر حقائق التاريخ إن استولى عليها المستعمرون الذين غالباً ما كتبوا للشعوب المستضعفة تاريخهم، وعملوا على تشويه الحقائق وصياغة سردية تبرر الهيمنة والنهب الاستعماري، سرديات تُصوّر مقاومة الشعوب كإرهاب وأعمال عنف غير مشروع.
وتعمل السردية الاستعمارية على طمس روايات الشعوب المغلوبة على أمرها، ووصف ثقافاتهم بالتخلف، وتُصوّر الاحتلال أنه انتداب ووصاية بقرار من عصبة الأمم لمساعدة البلدان الضعيفة المتأخرة على النهوض الحضاري حتى تصبح قادرة على حكم نفسها بنفسها، مما يجعل إعادة كتابة هذا التاريخ من منظور الشعوب المستعمَرة ضرورة لفهم الواقع.
حسب دراسة بعنوان "ﺗﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﻴﺎﺏ: ﺍﻷﺭﺷﻴﻒ الفلسطيني ﻣﻦ حرﻛﺔ ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﺇﻟﻰ ﺩﻭﻟﺔ ﺃﻭﺳﻠﻮ"، يُقدَّر ما تحتويه أرشيفات إسرائيل من الوثائق الفلسطينية العائدة إلى ما قبل نكبة 1948، والمستولى عليها من المحفوظات العثمانية والبريطانية، بحوالي أربعة آلاف متر طولي، بالإضافة إلى الأوراق التي جُمِعت من مصادر مصرية وأردنية وفلسطينية، وأملاك الغائبين، في سياق هجمة الاستيلاء الإسرائيلية على الذاكرة الفلسطينية.
وفي ظروف الكفاح المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية، بدءاً من العام 1965، سمح واقع الثورة المسلحة وبنية منظمة التحرير التنظيمية القائمة في الشتات بمأسسة الأرشيف الفلسطيني، مما أثار العدوانية الإسرائيلية، فقامت بهجمات متكررة على أرشيف مركز الأبحاث التابع للمنظمة. أسفر أحد التفجيرات عن مقتل ما لا يقل عن أربعة عشر شخصاً، ثمانية منهم موظفون في المركز، وجرح حوالي 107 آخرين. وفي عام 1972 أرسل الموساد طرداً مفخخاً إلى مدير المركز أنيس صايغ، سبب له ضعف نظر وبتر بعض أصابعه. وفي أيلول/سبتمبر 1982، أثناء اجتياح بيروت، استولى الجيش الإسرائيلي على أرشيفات مكاتب الفصائل الفلسطينية، كما استولى على أرشيف مركز الأبحاث، وفي فبراير 1983 فجّر مبنى المركز، وأصبح الأرشيف ميدان معركة سلاح وبارود، وميدان معركة سرديات تاريخية.
تأسس مركز الأبحاث الفلسطيني في عام 1965 بمدينة بيروت، ليكون أول منصة فلسطينية رسمية مكرسة لاستدامة الذاكرة الفلسطينية وتوثيق سيرتها، فضلاً عن إنتاج الدراسات التي ترد الاعتبار للحقيقة التاريخية، وإنشاء موسوعة فلسطينية، وتمت إدارة الموروث الوثائقي كعملية متكاملة لجمع وتصنيف وفهرسة وحفظ الوثائق، ارتباطاً بكتابة التاريخ، فهي تلعب دوراً محورياً في تشكيل السردية التاريخية الفلسطينية التي تفند الرواية الإسرائيلية للقضية الفلسطينية.
الأرشيف مؤسسة لإضفاء الصدق على المعرفة التاريخية، توفر أساساً وثائقياً لبعض دعاوى الحقيقة المتمثلة في سرديات بعينها، ومنها يمكن استخلاص أدلة وحقائق تخص الماضي، فالأرشيف ليس فقط مجموعة وثائق ومستندات وسجلات إدارية ومراسلات، سواء كانت "ورقية، رقمية، صور، أفلام" تُحفظ لقيمتها التسجيلية أو القانونية أو الإدارية، أو ما أريد من الوثائق أن تخدم الأغراض اليومية، لكن ما إن سرقها الجيش الإسرائيلي وأخرجها من إدارة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى وضعها داخل نطاق سردية إسرائيلية.
يستخدم المؤرخ بالجامعة العبرية في القدس رافائيل يسرائيلي الوثائق المسروقة لتركيب سردية تُصوّر منظمة التحرير الفلسطينية كـ"منظمة إرهابية" وتُصوّر الجيش الإسرائيلي محرِّراً للجنوب اللبناني في سياق ما يسمى "عملية سلامة الجليل". ينسب يسرائيلي إلى سرديته مصداقية خاصة لأنها مبنية على وثائق منظمة التحرير نفسها، وتستخلص الحقيقة من سجلاتها، وتكشف عن صورة منظمة التحرير الفلسطينية كما ترى هي نفسها فعلياً. يدّعي يسرائيلي الأمانة الكاملة في قراءة ما بين سطور الوثائق، ويدّعي أن جل ما يفعله لا يعدو أن يصوغ بكلمات تلك الحقيقة التي تطلّبها الأرشيف.
يمتلك من يسيطر على الأرشيف القدرة على إعادة صياغة الحقائق وتوجيه السردية، محوِّلاً الأرشيف من أداة للمنشئ إلى أداة في يد من يسيطر عليه، فالأرشيفات لا تخدم إلى الأبد سردية منشئها، بل تؤول إلى خدمة سردية آسرها عند الاستيلاء عليها. ليس بوسع وثائق منظمة التحرير أن ترعى نفسها وتحتمي بذاتها، وليس بوسعها أن تنسق نفسها من أجل خدمة سردية فلسطينية. تحتوي الوثائق حقائق تاريخية، ويقدم الأرشيف معلومات مهمة لدراسة الثقافات والمجتمعات وسلوكيات الأفراد.
وثائق مفاوضات أوسلو هي من أهم الوثائق في التاريخ الفلسطيني كله، بل في تاريخ المنطقة بالنظر إلى ظروف الصراع الطويل والتطلع نحو سلام عادل ودائم. نصّ الاتفاق على قيام دولة فلسطينية مستقلة بعد 5 سنوات كمرحلة انتقالية، وإخفاء وثائقها قد يكون له دور في فشل ما نصّت عليه في الوصول إلى الحل النهائي الذي يجلب السلام الدائم. كشفت التحقيقات في النرويج التي استضافت المباحثات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أن وثائق الفترة بين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر 1993 مفقودة من أرشيف وزارة الخارجية النرويجية الرسمي، ويحتفظ بها الوزير السابق تيريه رود لارسن. كما كشفت التحقيقات أن جزءاً من وثائق مفاوضات أوسلو السرية غير موجود أصلاً في النرويج، وأن الملفات المفقودة موجودة في حيازة جهات إسرائيلية، قد تتعلق بالتنازلات التي تم انتزاعها من القيادة الفلسطينية خلال المفاوضات السرية، أو تتعلق برسالة من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى وزير الخارجية النرويجي يوهان يورغن هولست بتاريخ 9 سبتمبر/ايلول 1993، أي قبل 4 أيام من توقيع الاتفاق في البيت الأبيض.
وبالتالي فإن سردية العملية التاريخية ربما تقوم على عملية توظيف انتقائي لوثائق محددة بإبراز بعضها وإخفاء أخرى لبناء رواية تاريخية أو سياسية لا تخدم الفلسطينيين، بدلاً من تقديم حقيقة موضوعية.
اكتسب ملف قضية أرشيف أوسلو بعداً جديداً بربطه بملف قضية جيفري إبستين المدان بالاتجار بالبشر، وكونه عميلاً إسرائيلياً مرتبطاً بالموساد. وقد وُجد في أرشيف 'رود لارسن' بعض المستندات ليست عليها تصنيفات، وبعض المستندات مختومة بـ'سري للغاية'، وملف مختوم بـ'سري'. كما كتبت شرطة الجرائم الاقتصادية التي تحقق فيما إذا كان الزوجان قد تلقيا رشاوى من المجرم الجنسي جيفري إبستين، إذ حصل رود لارسن على قرض بقيمة 130 ألف دولار من إبستين عام 2013، وتلا ذلك دفعة غامضة بقيمة 250 ألف دولار عام 2015، لكن المفاجأة الشديدة تكمن في وصية إبستين التي عدّلها قبل يومين فقط من وفاته في زنزانته عام 2019، حيث أوصى بمبلغ 5 ملايين دولار لكل من طفلي لارسن وزوجته.
هذا يثير أسئلة كثيرة لا تجيب عنها غير الوثائق الكاملة الخاصة بالمفاوضات، فقد كانت علاقة إبستين بالوزير تيريه رود لارسن وزوجته السياسية والسفيرة مونا يول موجهة لخدمة مصالح إسرائيل ضد مصالح الشعب الفلسطيني، فقد لعب الزوجان دوراً في بدء اتصالات سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وأدت المحادثات إلى توقيع اتفاقيات أوسلو، وربما الوثائق المفقودة تبين أدلة قانونية تثبت انحيازاً متعمداً من الوسيط النرويجي، وتعيد تقييم دور النرويج كوسيط نزيه في المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية التي عقّدت عملية السلام، وأوصلتها إلى طريق مسدود بدلاً من حل صراع دام طويلاً.
يشكّل فقدان وثائق مفاوضات أوسلو من الأرشيف خرقاً في الجانب الأمني حول الاحتفاظ بهذه الوثائق، لكن الأمر لا يتوقف عند كونها ملفاً قانونياً، بل أزمة سياسية، فهناك تداعيات سياسية وتحقيقات رسمية في أرشيف أوسلو داخل البرلمان النرويجي، إذ بدأت لجنة الرقابة تحقيقاً يشمل ملابسات إدارة عملية مفاوضات أوسلو. قد تؤدي استعادة الوثائق إلى إعادة قراءة اتفاق أوسلو، وقد تكشف تفاصيل جديدة عن خلفيات التفاوض، وتبين توازنات القوى، ويتضح الدور النرويجي الحقيقي، لكن ما يهم الشعب الفلسطيني تصحيح السرد التاريخي بما يمكنه من استعادة حقوقه الوطنية.