أسود الرافدين.. حين تنتصر كرة القدم على الطائفية
لم يكن ما حدث مجرد فوزٍ كروي عابر، بل لحظة كثيفة الدلالات، اختزلت ما عجزت عنه السياسة لعقود. فـ"أسود الرافدين" لم يكسروا باب مدينةٍ في دولةٍ أخرى، كما رددت شعارات بعض جماهير المنتخبات العربية المجاورة، بل كسروا قيود الطائفية ووحدوا القلوب على امتداد العراق، ولو لتسعين دقيقة فقط.
في تلك اللحظة، بدا أن العراق — بكل تعقيداته — قد وجد صيغة مؤقتة للوحدة، صيغة لا تمر عبر البرلمان ولا عبر خطابات السياسيين، بل عبر المستطيل الأخضر.
ومع هذا الانتصار، اقترب المنتخب العراقي من حلم التأهل إلى كأس العالم 2026، في إنجاز يعيد للأذهان أمجاد مشاركته الوحيدة عام 1986، بعد أربعة عقود تقريبًا من الغياب.
فرحٌ عابر للحدود… ورسالة واحدة
عند الساعة السادسة صباحًا، رنّ الهاتف حاملاً جملة بسيطة لكنها عميقة المعنى: "العراق يفوز". تكررت الرسالة ذاتها من عواصم عربية مختلفة، بصيغة تكاد تكون موحدة: "مبروك… فرحنا لأن الفرحة راح تدخل قلوب العراقيين (وهم يستاهلون الفرح)".
ذلك الإجماع العفوي لم يكن صدفة، بل انعكاسًا لصورة إنسانية ترسخت عن العراقي: شعبٌ أنهكته الحروب، لكنه لم يفقد قدرته على الفرح ولا استحقاقه له.
مباراة من نوع آخر… هدفها قلب الإنسان
في تلك المباراة، لم يكن اللاعبون الأحد عشر يركضون فقط نحو مرمى المنافس، بل نحو قلوب نحو 45 مليون عراقي.
كان المشهد أقرب إلى محاولة جماعية لتسجيل "فرحة" لا "هدف"، وكأن الكرة تحولت إلى أداة لإعادة تعريف الانتماء الوطني.
تجمّدت الفوارق: سنة وشيعة، مسلمون ومسيحيون، عرب وكرد…
كلهم اجتمعوا على لحظة واحدة، في بلدٍ عاش قرابة قرنٍ من الصراعات والحروب، وليس "قرنين" كما يُبالغ أحيانًا في الخطاب العاطفي. ولم يكن الحضور المكسيكي في المدرجات مجرد تفصيل هامشي، بل مثالاً على كيف يمكن للرياضة أن تفتح قنوات تواصل غير متوقعة، تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتخلق نوعًا من "الاندماج الإنساني" العابر للثقافات.
حين يغيب السياسي… يتقدم اللاعب
في ظل غياب دور سياسي جامع، ينجح اللاعب العراقي في تحقيق ما تعجز عنه المؤسسات. فلا يمكن مقارنة إمكانيات المنتخب العراقي بنظيراتها في الدول ذات البنى الرياضية المتقدمة والتمويل الضخم، لكن المقارنة الحقيقية تكمن في عنصر آخر: الروح.
روحٌ وطنية قتالية، استطاعت أن توحد شوارع بغداد والبصرة والموصل والنجف وكربلاء، ولو مؤقتًا. تتلاقى هذه التجربة مع تجارب أخرى، كما حدث مع منتخب المغرب في مونديال 2022، حين قال مدربه وليد الركراكي عبارته الشهيرة: "دير النية وسير".
وفي النسخة العراقية، جاءت العبارة أكثر عفوية وصدقًا: "لعبنا والله… من يمّه دبرها (ما تعرف شلون)". بين العبارتين، تتجسد فلسفة مشتركة: الإيمان، البساطة، والتوكل… قبل أي تكتيك.
الطيبة العراقية… قوة تتحدث بلا خطاب
على الرغم من الظروف القاسية التي مرّ بها العراق خلال العقود الأربعة الماضية، من حروب وحصار واحتلال وتدهور في الأمن والخدمات، ظلّت الشخصية العراقية محافظة على جوهرها الإنساني. ولم تعد هذه السمات، كطيبة القلب والكرم والعفوية وروح الدعابة، مجرد صفات اجتماعية، بل تحوّلت إلى قوة تأثير حقيقية تتجاوز الخطاب الرسمي وتعكس عمق الإنسان العراقي وقدرته على الصمود.
لم يكن تشجيع جماهير من خارج العراق للمنتخب العراقي وليد صدفة خالصة، ولا نتيجة حسابات سياسية فقط، بل كان أيضًا حصيلة هذا الحضور الإنساني الذي يتركه العراقي أينما ذهب. العراقي لا يدخل مكانًا بصفته فردًا باردًا، بل يدخل غالبًا محمّلًا بلغته الدافئة، وضحكته السريعة، وكرمه المباشر، وأغانيه، و"هوساته الشعبية"، وطريقته الخاصة في جعل الآخر يشعر أنه ليس غريبًا.
من هنا يمكن فهم كيف نجحت الجاليات العراقية في المكسيك، وفي بلدان أخرى، في خلق حالة تعاطف حقيقية مع المنتخب. لم يكن الأمر مجرد طلب تشجيع، بل بناء مزاج مشترك.
المكسيكي الذي دخل المدرجات ليهتف للعراق لم يفعل ذلك فقط بدافع الخصومة الرياضية مع بوليفيا، بل لأنه التقط شيئًا بشريًا بسيطًا ومؤثرًا: هذا الجمهور يرحب بنا من القلب، ويتعامل معنا وكأنه يقول: (إنت منا وبينا).
وهنا تكمن قوة العراق الناعمة، لا في خطاب رسمي، ولا في حملة دعائية، بل في أثر الناس أنفسهم كما هو في كلامهم: (عين غطاء وعين فراش.. عاش العراق).
لماذا تنجح الوحدة خارج العراق… وتتعثر داخله؟
يبدو العراقي خارج بلده أكثر قدرة على تجاوز الطائفية، لأنه يتحرك بعيدًا عن منظومة سياسية تغذّي الانقسام وتعيد إنتاجه يوميًا. في الخارج، لا توجد ضغوط أو مصالح تربط الفرد بهويته الفرعية، فيعود إلى فطرته الأولى: إنسان يبحث عن الانتماء والفرح. أما في الداخل، فقد تحولت الطائفية إلى بنية سياسية ومصلحية، تُستخدم كوسيلة نفوذ وتمثيل، مما يجعل تجاوزها أكثر تعقيدًا.
وهنا تأتي كرة القدم لتكسر هذا الإطار مؤقتًا، وتمنح الناس نموذجًا حيًا لهوية وطنية جامعة، غير مفروضة، لكنها صادقة.
كرة القدم… آخر مساحة نظيفة للتعبير
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة. لقد تحولت إلى مساحة تعبير سياسي – اجتماعي آمنة، تسمح للشعوب بإثبات وجودها دون خوف أو رقابة.
في عالم تُقمع فيه الكثير من أشكال التعبير، تبقى الكرة المساحة التي يستطيع فيها الإنسان أن يعلن إنجازه، ويفتخر به، دون أن يُتهم أو يُصادر صوته.
وفي العراق، تبدو هذه المساحة أكثر وضوحًا، حيث تتحول كل مباراة إلى فرصة لإعادة اكتشاف معنى الوطن بعيدًا عن الانقسام.
خاتمة
ما فعله "أسود الرافدين" لا ينبغي التعامل معه بوصفه مناسبة عابرة للفرح فقط، بل بوصفه لحظة كاشفة لهشاشة الانقسام حين تواجهه عاطفة وطنية صادقة، وكاشفة أيضًا لحجم ما أفسدته السياسة في الوعي العراقي، حين صار منتخب كرة قدم أقدر على جمع الناس من مؤسسات يفترض أنها وُجدت لهذا الغرض أصلاً.
لقد أثبتت هذه التجربة أن العراقي لا تنقصه القدرة على الوحدة، بل تنقصه البيئة التي تحمي هذه الوحدة من الاستثمار السياسي والتخريب المنظم. وحين يجد مساحة نظيفة، كالرياضة، يعود سريعًا إلى فطرته الأولى: المحبة، والانتماء، والفرح المشترك.
في العراق، قد تعجز السياسة عن صناعة وطن، لكن كرة القدم تذكّر العراقيين في كل مرة أن الوطن واحد، وأن العراق حضارة تمرض ولكن لا تموت.