أغنيات إلهام المدفعي تعانق جمهور هولير في الحب
هولير (إقليم كوردستان) ـ عاد إلهام المدفعي إلى هولير، عاصمة إقليم كوردستان، ليجدد لقاءه مع جمهوره في حفل كبير أقيم بمناسبة عيد الحب على مسرح قاعة بيرويا مساء الجمعة 13 فبراير/شباط 2026.
بدا الحدث كاحتفاء بسيرة فنان شكل جسرا موسيقيا بين الشرق والغرب، وبين الذاكرة العراقية والحداثة، على مدى أكثر من نصف قرن.
يُعدّ إلهام المدفعي واحداً من أبرز الأصوات التي أعادت صياغة الأغنية العراقية بروح معاصرة، من دون أن تفقد جذورها التراثية.
ومنذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، تميّز بأسلوب يمزج بين المقامات العراقية التقليدية والإيقاعات الغربية، مستعيناً بالغيتار كآلة رئيسية، وهو خيار كان جريئاً في ذلك الزمن. هذا المزج لم يكن مجرد تجربة فنية، بل مشروع هوية موسيقية جديدة جعلت أعماله قابلة للعبور بين الثقافات.
ولد المدفعي في بغداد في بيئة منفتحة على الفن والثقافة. وفي سنوات شبابه انجذب إلى الموسيقى العالمية، خصوصاً أنماط الروك والجاز، لكنه ظل مشدودا إلى التراث العراقي. هذا التوازن المبكر بين المحلي والعالمي أسس لرحلته الفنية اللاحقة.
ومع انتقاله إلى الخارج في مراحل مختلفة من حياته، اكتسب خبرات موسيقية وتقنية أثرت أسلوبه، لكنه ظل حريصاً على إبقاء الروح العراقية في قلب أعماله.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأت ملامح مشروعه الفني تتبلور بوضوح. أعاد توزيع أغانٍ تراثية عراقية بأسلوب حديث، ما جعلها تصل إلى أجيال جديدة داخل العراق وخارجه. لم يكن الهدف مجرد تحديث الصوت، بل إعادة تقديم التراث بوصفه مادة حية قابلة للتجدد. هذه المقاربة جعلت أعماله تحظى بتقدير واسع، سواء من الجمهور العام أو من النقاد الموسيقيين.
وتميّزت مسيرة المدفعي أيضاً بحضوره العالمي؛ فقد قدّم حفلات في مدن أوروبية وعربية، وأسهم في تعريف الجمهور الدولي بالموسيقى العراقية. كان صعوده على المسارح دائماً يحمل رسالة ثقافية: أن الموسيقى لغة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية. وفي كل ظهور، كان يقدم صورة مختلفة عن العراق، صورة غنية بالإبداع والإنسانية.
عودة المدفعي إلى هولير في عيد الحب حملت دلالة رمزية خاصة، فالمدينة، التي أصبحت مركزاً ثقافياً مهماً في المنطقة، استقبلت فناناً يمثل جزءاً من الذاكرة الموسيقية المشتركة للعراقيين. منذ اللحظات الأولى للحفل بدا واضحاً حجم الترقب؛ جمهور متنوع الأعمار حضر ليستعيد أغنيات ارتبطت بذكريات شخصية وجماعية.
على المسرح، ظهر المدفعي محتفظاً بهدوئه المعروف وحضوره الدافئ. بدأ الأمسية بمقطوعات تعكس مسيرته الطويلة، متنقلاً بين الأغاني التراثية التي أعاد توزيعها وأعماله الخاصة.
كان صوته، رغم السنوات، يحمل النبرة الحميمية ذاتها التي عرفه بها الجمهور. وبين الأغنية والأخرى، تحدث عن ذكرياته الفنية، مستعيداً محطات من رحلته، ما أضفى على الحفل طابعا إنسانياً قريبا من الحضور.
أحد أبرز جوانب تجربة المدفعي هو قدرته على تحويل الحفل إلى مساحة تواصل. الجمهور لم يكن مجرد متلقٍ، بل شريكا في الغناء والتفاعل. كثيرون رددوا الكلمات عن ظهر قلب، في مشهد يعكس كيف أصبحت أغانيه جزءاً من الذاكرة الشعبية. هذا التفاعل أكد أن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يكتسب عمقاً مع الزمن.
ويُنظر إلى المدفعي بوصفه رائداً في تحديث الأغنية العراقية. وينسجم استخدامه للغيتار مع المقام الشرقي، ليخلق صوتا مميزا أصبح علامة فارقة في أعماله. كما أن اهتمامه بالتوزيع الموسيقي أظهر وعياً مبكراً بأهمية الإنتاج الفني المتكامل، ما جعل تسجيلاته تبدو متقدمة مقارنة بزمنها.
إلى جانب الموسيقى، لعب المدفعي دورا ثقافيا أوسع، فهو يمثل نموذج الفنان الذي يحمل تراث بلاده إلى العالم، من دون أن يقع في فخ التبسيط أو الاستشراق. وقدمت أعماله صورة صادقة ومعاصرة عن الثقافة العراقية، وأسهمت في بناء جسور فهم بين الشعوب.
في حفل هولير، بدت هذه السيرة الطويلة حاضرة في كل تفصيل: في اختيار الأغاني، وفي طريقة الأداء، وفي تفاعل الجمهور. كانت الأمسية بمثابة رحلة عبر الزمن تستعيد مراحل مختلفة من تاريخ الموسيقى العراقية الحديثة. ومع ختام الحفل، وقف الحضور مصفقين طويلاً، في لحظة تقدير لفنان لم يكن مجرد مغنٍ، بل جزءاً من ذاكرة جماعية.
عودة إلهام المدفعي إلى المسرح في هذه المناسبة لم تكن مجرد حدث فني، بل تذكيراً بقوة الموسيقى على جمع الناس حول مشاعر مشتركة. في عيد الحب، حيث يُحتفى بالعاطفة والإنسانية، قدم المدفعي درساً آخر: أن الفن الصادق قادر على تجاوز الزمن، وأن الهوية الموسيقية، حين تُبنى على الجذور والانفتاح، تصبح لغة عالمية يفهمها الجميع.