أوروبا تقاوم تداعيات حرب إيران على النمو والطاقة

أسعار النفط عاودت الارتفاع بسبب غموض بشأن استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.
أوروبا تستورد نحو 80 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة
تقلب الأسعار هو ضريبة استيراد الوقود
أسعار الطاقة المرتفعة تعيق القدرة التنافسية الأوروبية
اعتماد أوروبا على واردات الطاقة انعكس على قطاع النقل

بروكسل - أثرت تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الوضع الاقتصادي والمالي في القارة الأوروبية، من حيث التضخم والنمو والطاقة، في ظل اعتماد المنطقة على واردات الطاقة من الخارج.

وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو من 1.4 بالمئة إلى 1.1 بالمئة في 2026، في وقت ارتفع فيه معدل التضخم من 1.9 بالمئة في فبراير/ شباط الفائت إلى 2.6 بالمئة خلال مارس/ آذار الماضي، مدفوعا بارتفاع كبير لأسعار الطاقة.

وكشفت تداعيات الحرب محدودية النموذج الاقتصادي في منطقة اليورو (تضم 21 دولة)، مقابل ضعف هامش التحرك أو الحد من استمرار تسجيل مؤشرات سلبية جراء صدمة النفط، خاصة أنها تستورد نحو 80 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة.

وتتأثر أسعار النفط بتصاعد الصراعات في الشرق الأوسط والتهديدات التي تواجه شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما يزيد المخاوف بشأن انقطاع الإمدادات. وخلال الأيام الأخيرة عاودت أسعار النفط الارتفاع بسبب غموض بشأن استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي 8 أبريل/ نيسان الجاري، أعلنت واشنطن وطهران هدنة لمدة أسبوعين، قبل أن تستضيف باكستان في 11 من الشهر ذاته جولة محادثات بين الطرفين لم تفضِ إلى اتفاق، ثم أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء، تمديد الهدنة مع إيران بناء على طلب باكستان "إلى حين تقديم طهران مقترحها"، دون تحديد مدة زمنية لذلك.

وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران أسفرت عن أكثر من 3 آلاف قتيل، قبل إعلان الهدنة على أمل التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع.

وفي هذا الإطار، قال البنك الأوروبي للاستثمار إن "اقتصاد الاتحاد الأوروبي لا يزال عرضة لتقلبات أسعار النفط، لا سيما في قطاع النقل، حيث أصبح يعتمد على الغاز الطبيعي المسال بعد نضوب إمدادات الغاز الروسي خلال أزمة عام 2022 (الحرب بأوكرانيا)".

وأضاف، في تقرير صادر في 20 أبريل/ نيسان الجاري، أن الغاز الطبيعي يعد مصدرا رئيسيا للتدفئة، فيما تحتاج أوروبا حاليا إلى "تجديد مخزونها من الغاز الطبيعي المسال بعد شتاء بارد نسبيا، بأسعار قد ترتفع بنسبة 70 بالمئة إذا استمر النزاع".

ونقل التقرير عن فوتيوس كالانتزيس، كبير الاقتصاديين في البنك والمتخصص في المناخ وانتقال الطاقة، قوله إن "تقلب الأسعار هو ضريبة استيراد الوقود"، متسائلا "إلى متى سيستمر ارتفاع الأسعار؟".

واعتبر أن الحل الوحيد "طويل الأجل" يعتمد على "الاستثمار في البنية التحتية النظيفة، وتحويل الإنفاق بعيدا عن الوقود الأحفوري".

ووفقا للتقرير، فإن أسعار الطاقة المرتفعة تعيق القدرة التنافسية الأوروبية، إذ تُقارب أسعار الكهرباء التي تدفعها شركات الاتحاد الأوروبي ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة (بمعدل 226 يورو/ ميغاواط ساعة في أوروبا مقابل 139 يورو/ ميغاواط ساعة في الولايات المتحدة عام 2024).

كما لفت إلى أن أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي كانت أعلى بثلاثة إلى خمسة أضعاف مقارنة بالولايات المتحدة في العام ذاته.

وفي ظل هذه التقلبات، قال الخبير الاقتصادي زهير الخيار، إن الضرر الذي لحق بأوروبا لا يرتبط باقتصادها الداخلي فقط، بل يعود بشكل رئيسي إلى اعتمادها الكبير على الطاقة والتجارة العالمية.

وأضاف الخيار، في حديث مع الأناضول، أن الدول الأوروبية تضررت بشكل كبير من هذه الحرب، إلى جانب تأثر التجارة الدولية، وذلك لعدة أسباب، أبرزها ارتفاع أسعار النفط واضطرابات الشحن ونقل السلع الأخرى. موضحا أن الحرب هددت أيضا الملاحة البحرية، ما أدى إلى تأخر وصول السلع وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما انعكس بدوره على ارتفاع الأسعار.

وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن "ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة التكاليف وتدهور الأداء الاقتصادي في أوروبا".

وعلى صعيد التأثيرات، فإن اعتماد أوروبا على واردات الطاقة انعكس على قطاع النقل، حيث قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، في تصريحات صحفية في 17 أبريل/نيسان الجاري، إن أوروبا تمتلك احتياطيات تكفي لنحو 6 أسابيع فقط من وقود الطائرات، محذرا من "احتمال إلغاء رحلات جوية قريبا"، إذا استمر تعطل إمدادات النفط بسبب الحرب.

وتوقع الخبير الاقتصادي تفاقم هذا التأثير الاقتصادي بشكل أكبر في حال اندلاع أي تصعيد عسكري إضافي، مؤكدا أن الحرب "كشفت اختلالات بهذه المنطقة؛ خاصة في قطاع الطاقة".

وفي حال استمرار الحرب، قد يمتد هذا التراجع ليشمل القطاع الصناعي أيضا، وهنا تظهر المفارقة في منطقة اليورو، التي تعد قوة صناعية بفضل امتلاكها قاعدة إنتاجية متطورة، وسلاسل إمداد متكاملة، ومستوى تكنولوجي عال.

وفيما يتعلق بـ"الهشاشة الطاقية"، قال الخيار إنها ليست وليدة هذه الحرب، بل تعود إلى ما قبلها، غير أن الحرب أبرزتها بشكل أوضح، لافتا أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، وبالتالي فإن أي اضطراب في سلاسل التوريد يشكل تهديدا مباشرا لها.

وسبق أن واجهت أوروبا أزمات متعددة وتمكنت من التكيف معها، لافتا إلى أنها تعمل حاليا على "تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع قدراتها الطاقية، وتحسين الكفاءة"، ورغم هذه الجهود، إلا أن الخيار يرى أن أوروبا "أصبحت أكثر عرضة للضغوط في ظل هذه الحرب، نظرا لعدم تحقيق استقلال كامل في قطاع الطاقة حتى الآن".

وفيما يتعلق بالعلاقة بين النمو الاقتصادي وإمدادات الطاقة في أوروبا، فهناك علاقة قوية بينهما، غير أن هذا الارتباط لا يمكن اعتباره ميكانيكيا، إذ لا يؤدي توفر الطاقة بالضرورة إلى تحقق النمو تلقائيا، بل يظل ارتباطا مرنا يمكن تعديله والتخفيف من حدته عبر مجموعة من الآليات، مثل التحول الطاقي وتنويع المصادر.

ومع ذلك، يظل النمو في أوروبا مرتبطا بدرجة كبيرة بإمدادات الطاقة، بسبب الأهمية الحيوية للطاقة في أي اقتصاد، خاصة الاقتصادات الصناعية التي تعتمد على قطاعات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مثل الصناعات الثقيلة والكيميائية والمعدنية".

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن توفر الطاقة بأسعار معقولة، من شأنه أن يخفض تكاليف الإنتاج، ما يعزز التنافسية ويشجع الاستثمار، ويساهم في تحقيق نمو اقتصادي أفضل، أما في حال تعثر الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة، فإن تكاليف الإنتاج ترتفع، وهو ما يؤدي إلى تراجع التنافسية، وبالتالي ضعف النشاط الصناعي وتباطؤ النمو.

ولا يمكن اختزال النمو الاقتصادي في عامل الطاقة فقط، إذ توجد عوامل أخرى مؤثرة، مثل السياسات النقدية والمالية، ومستوى الطلب على السلع والخدمات (خاصة الصادرات)، والاستقرار السياسي، والابتكار والتطور التكنولوجي،  لكن يمكن التأكيد على أن أي اضطراب في إمدادات الطاقة، خاصة بالنسبة للدول الصناعية، ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي، مما يستدعي تدخل سياسات فعالة لمعالجة هذه الاختلالات، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة أو تحسين كفاءة استخدامها، وفق قول الخبير.

واعتبر البنك الأوروبي للاستثمار أن أوروبا استثمرت بشكل كبير في الطاقات المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، منذ أزمة الطاقة عام 2022، حيث وفرت مصادر الطاقة المتجددة نحو نصف احتياجات أوروبا من الكهرباء في عامي 2024 و2025.