إلهام شاهين تعيد قضية التبرع بالأعضاء إلى واجهة النقاش

الجدل حول التبرع بالأعضاء في المجتمعات العربية يعكس صراعاً بين سلطة رجال الدين والاستجابة الإنسانية لإنقاذ الأرواح.

القاهرة – جددت الفنانة إلهام شاهين تسليط الضوء على قضية التبرع بالأعضاء مطالبة مجلس النواب بتفعيل القانون الخاص به، كما دعت إلى تدشين بنك للجلد البشري، مثيرة مسألة تعتبر من القضايا الحساسة التي تختلف فيها وجهات النظر الدينية والإنسانية في المجتمعات العربية.

ويُعدّ موضوع التبرع بالأعضاء من أكثر القضايا إثارةً للجدل إذ يتقاطع فيها البعد الديني مع الاجتماعي، والطبي مع القانوني، والإنساني مع الأخلاقي. وبينما يرى كثيرون فيه عملاً نبيلاً يُنقذ حياة المرضى ويجسّد أسمى معاني التكافل، يتحفّظ آخرون بدافع مخاوف دينية أو اجتماعية.

وشاركت إلهام شاهين منشورا عبر حسابها بموقع فيسبوك، وكتبت "في شهر الخير.. شهر رمضان الكريم.. ندعو الله جميعا أن يخفف آلام كل المتألمين.. وبالأخص مصابي الحروق.. فهي الأشد ألما.. ربنا يخفف عنهم ويشفيهم.. وكل التحية والاحترام لمستشفى أهل مصر للحروق التي تعالج المصابين مجانًا.. مع فريق عظيم من الأطباء المتخصصين.. ربنا معاكم ومع كل المصابين".

وأضافت إلهام شاهين "أرجو وأتمنى من مجلس النواب الموقر تفعيل قانون التبرع بالأعضاء للراغبين لأن هذا شيء اختياري بالتأكيد، نحتاج لوجود بنك للجلد البشري الذي يمكن استخدامه في عمليات ترقيع الجلد للحروق الصعبة".

واختتمت "للعلم التبرع بالأعضاء بعد الوفاة يصبح صدقة جارية على روح المتوفى.. وهذا القانون معمول به في كل الدول المتحضرة.. ربنا يجازيكم خير مستشفى أهل مصر والسيدة المحترمة التى شيدتها لتخفيف آلام البشر.. السيدة المحبة للخير هبة السويدي.. شكرا لأهل مصر".

وتنقسم آراء الناس حول هذا الموضوع إلى اتجاهين، فهناك المؤيّد الذي يعتبر التبرع صدقة جارية وعملاً إنسانياً عظيماً، خاصة إذا كان لإنقاذ قريب أو شخص محتاج. ويستند بعض المؤيدين إلى فتاوى صادرة عن مؤسسات دينية معتبرة مثل الأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التي أجازت التبرع بشروط، أهمها عدم تعريض المتبرع لخطر جسيم وألا يكون هناك مقابل مادي.

وهناك اتجاه آخر متحفّظ أو معارض، يرى أن الجسد أمانة لا يجوز التفريط فيه، أو يخشى من استغلال الفقراء في تجارة الأعضاء، وهي مخاوف عززتها بعض الحوادث التي كُشف عنها في دول عربية مختلفة.

ويُعدّ التبرع بالأعضاء بعد الوفاة أكثر إثارة للجدل، خاصة فيما يتعلق بتحديد مفهوم "الموت الدماغي"، ففي حين تعتمد المؤسسات الطبية العالمية هذا المعيار، لا يزال بعض أفراد المجتمع يشككون في اعتباره وفاةً حقيقية، مما يخلق حالة من التردد في قبول التبرع.

وفي عدد من الدول العربية مثل السعودية والأردن ومصر، صدرت قوانين تنظم عملية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وتضع ضوابط دقيقة لمنع الاتجار وضمان الشفافية. ومع ذلك، لا تزال نسب التبرع أقل من المعدلات العالمية، بسبب عوامل ثقافية تتعلق بحرمة الجسد بعد الموت، أو برغبة الأسرة في دفن المتوفى دون تأخير.

ويلعب الدين دوراً محورياً في تشكيل المواقف. فبينما تميل غالبية الفتاوى المعاصرة إلى الجواز بضوابط، يشترط كثير من العلماء تحقق الضرورة وألا يترتب ضرر أعظم. كما يبرز سؤال أخلاقي مهم: هل يحق للإنسان أن يتصرف بجسده بعد موته؟ وهل موافقته المسبقة تكفي، أم يجب الرجوع إلى أسرته؟

وهناك تحديات أخرى أمام مسألة الانفتاح على التبرع بالأعضاء تتعلق بضعف الوعي المجتمعي حول أهمية التبرع وفوائده. وانعدام الثقة أحياناً بالمؤسسات الصحية والخوف من التلاعب أو الاتجار. وغياب أنظمة تسجيل واضحة للمتبرعين في بعض الدول. بالإضافة إلى التأثير العاطفي للأسرة وقت الوفاة، مما يجعل القرار صعباً.

وتزداد الحاجة إلى زراعة الأعضاء مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة مثل الفشل الكلوي وأمراض الكبد. وفي المقابل، يبقى التبرع قراراً شخصياً حساساً يتطلب قناعة دينية وأخلاقية، إضافة إلى ثقة بالقانون والنظام الصحي.

ويعكس الجدل حول التبرع بالأعضاء في المجتمعات العربية صراعاً بين المحافظة على القيم والتقاليد من جهة، والاستجابة لمتطلبات الطب الحديث وإنقاذ الأرواح من جهة أخرى. وقد يكون الحل في تعزيز الحوار المجتمعي، وتكثيف التوعية الدينية والطبية، وسنّ قوانين صارمة تضمن الشفافية وتحارب الاتجار بالأعضاء، حتى يتحول التبرع من قضية خلافية إلى ثقافة إنسانية راسخة تقوم على مبدأ "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً".

وليس هذا أول موقف للفنانة إلهام شاهين حول الموضوع، فقد نادت بالتبرع بالأعضاء عام 2021 أيضاً، حين أعلنت عن رغبتها في التبرع بأعضائها بعد وفاتها ودعت الآخرين إلى اتخاذ نفس الموقف، مما أثار جدلاً آنذاك. وأوضحت أن ردود الفعل كانت "إيجابية للغاية"، وأنها تلقت رسائل دعم عبر تطبيقات المراسلة، كما تواصل معها بعض الأطباء المتخصصين في عمليات زراعة الكبد معبرين عن تأييدهم للمبادرة.

وأشارت شاهين إلى أن الأطباء شكروا المبادرة واعتبروها عملاً إنسانياً جميلاً، مؤكدة أن بعض العلماء والرموز الدينية أعلنوا أيضاً تأييدهم، من بينهم من أعلن استعداده للتبرع بعد وفاته. وعن الانتقادات أو الردود السلبية قالت إنها لا توليها اهتماماً ولا تقرأها، معتبرة أن آراء الجهل لا تهمها.

وكشفت أن الدولة المصرية أقرّت مبدأ التبرع بالأعضاء، لكنها لفتت إلى وجود مشروع قانون يعود إلى عام 2010 لم يُفعل حتى الآن، داعية الجهات المختصة إلى تسريع إقرار وتفعيل التشريعات المنظمة للتبرع وزراعة الأعضاء. وأكدت أنها أوصت إخوتها وأبناءهم بالالتزام بوصيتها بهذا الشأن.