إيران تقر بمقتل لاريجاني ونجله ومساعده في غارة إسرائيلية

مقتل لاريجاني لا يمثل فقط خسارة لشخصية سياسية بارزة، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، ويضع مؤسسات القرار في إيران أمام تحدي إعادة ترتيب صفوفها.

طهران - أعلنت إيران، الثلاثاء، مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في هجوم إسرائيلي استهدفه قرب العاصمة طهران، في تطور يعكس تصعيدًا خطيرًا في المواجهة الإقليمية. وأكد التلفزيون الرسمي، نقلًا عن بيان صادر عن مكتبه، أن لاريجاني قُتل في ساعات الصباح برفقة نجله مرتضى، ومساعده علي رضا بيات، إضافة إلى عدد من موظفي الأمانة وحراسه الشخصيين، في ضربة وُصفت بأنها من بين الأشد تأثيرًا على بنية القرار الأمني في البلاد.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق مسؤوليته عن العملية، مشيرا إلى تنفيذ غارة دقيقة استهدفت لاريجاني، الذي يُعد من أبرز الشخصيات السياسية والأمنية في إيران خلال العقود الأخيرة. ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد الضربات المتبادلة، ما يطرح تساؤلات واسعة حول تداعيات استهداف شخصية بهذا الوزن داخل هرم السلطة الإيرانية.

وينتمي علي لاريجاني إلى واحدة من أكثر العائلات نفوذًا في إيران، حيث وُلد عام 1958 في مدينة النجف العراقية لعائلة دينية بارزة تعود أصولها إلى مدينة آمل. والده، ميرزا هاشم آملي، كان من كبار علماء الدين، بينما لعب أشقاؤه أدوارًا مؤثرة في مفاصل الدولة، أبرزهم صادق لاريجاني الذي ترأس السلطة القضائية لسنوات، ومحمد جواد لاريجاني الذي برز في ملفات السياسة الخارجية وحقوق الإنسان.

وتلقى تعليمه الأكاديمي في جامعة شريف للتكنولوجيا، حيث حصل على شهادة في الرياضيات وعلوم الحاسوب، قبل أن يتجه إلى الفلسفة ويُكمل دراساته العليا في الفكر الغربي، مع تركيز خاص على أعمال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. هذا التكوين المزدوج بين العلوم الدقيقة والفكر الفلسفي انعكس على أسلوبه السياسي، الذي جمع بين البراغماتية والقدرة على إدارة الملفات المعقدة.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، انضم لاريجاني إلى الحرس الثوري، ليبدأ مسيرة طويلة في مؤسسات الدولة. وشغل مناصب عدة، من بينها وزارة الثقافة ورئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، قبل أن يُعيّن عام 2005 أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب الذي تولى خلاله أيضًا مهمة كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني حتى عام 2007.

ولاحقًا، انتقل إلى العمل البرلماني، حيث انتُخب عضوًا في مجلس الشورى عام 2008، وتولى رئاسته لثلاث دورات متتالية حتى عام 2020. وخلال تلك الفترة، كان أحد أبرز الداعمين لتمرير الاتفاق النووي لعام 2015، الذي شكّل محطة مفصلية في علاقة إيران مع القوى الدولية.

وبعد خروجه من البرلمان، عُيّن مستشارًا للمرشد الأعلى علي خامنئي، وظل ضمن الدائرة الضيقة لصنع القرار، رغم استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية في مناسبتين.

وفي أغسطس/اب 2025، عاد لاريجاني إلى الواجهة بتعيينه مجددًا أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ما أعاده إلى قلب الملفات الحساسة، خاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية والاستراتيجية الأمنية. وكان يُنظر إليه باعتباره من الشخصيات الموثوقة لدى المرشد الأعلى، وأحد العقول التي تسهم في رسم توجهات إيران الإقليمية.

ولا يمثل مقتل لاريجاني فقط خسارة لشخصية سياسية بارزة، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، ويضع مؤسسات القرار في إيران أمام تحدي إعادة ترتيب صفوفها في ظل تصاعد الضغوط والضربات الخارجية.

وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق تمكنها من قتل قائد قوات الباسيج، غلام رضا سليماني، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في ضربة جوية نفذتها طائراتها داخل الأراضي الإيرانية، في أحدث مراحل التصعيد العسكري بين تل أبيب وطهران.

وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اغتيال المسؤولين مما يجعل العملية ضربة كبيرة للنظام الإيراني، بالنظر إلى المكانة البارزة التي يشغلها لاريجاني في هرم السلطة بعد وفاة المرشد الإيراني السابق.

وقال كاتس في بيان متلفز "تم القضاء على لاريجاني وقائد الباسيج الليلة، وانضما إلى رأس خطة التدمير (المرشد الأعلى علي) خامنئي، وجميع أعضاء محور الشر الذين أُحبطت مخططاتهم، في قعر الجحيم"، مضيفا "أصدرتُ أنا ورئيس الوزراء تعليماتنا للجيش الإسرائيلي بمواصلة ملاحقة قيادة النظام في إيران".

لكن مكتب لاريجاني نفى وقتها صحة الخبر. وقال إن الأخير سيصدر رسالة "خلال وقت قصير"، ردا على ادعاءات إسرائيلية باغتياله لتقوم صفحته الرسمية على منصة اكس بنشر الرسالة مكتوبة بخط يده باللغة الفارسية، قبل أن تنعاه السلطات رسميا.

من جانبها أوضحت وسائل إعلام إسرائيلية أن الغارات لم تقتصر على رضا سليماني ولاريجاني فقط، بل تضمنت أيضًا أهدافًا تتعلق بقيادات وعناصر يُعتقد أنها شاركت في تحركات مسلحة تجاه الدولة العبرية. وتعتبر مثل هذه العمليات دليلاً على قدرة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على اختراق الأمن الإيراني، ورصد تحركات كبار المسؤولين في طهران، واختيار توقيتات دقيقة لتنفيذ الضربات الجوية، رغم صعوبة الوصول إلى هذه الوجوه بصريًا وجغرافيًا.
وتناولت صحيفة يديعوت أحرونوت تقارير تفيد بأن لاريجاني كان ضمن الأهداف التي اخترقتها طائرات إسرائيلية مساء الاثنين، في إطار سلسلة غارات أوسع داخل البلاد.

وفي ذات السياق، بثت الهيئة الإسرائيلية الرسمية تقارير تشير إلى أن تقديرات أولية تفيد بمقتل لاريجاني في الغارة الجوية. كما أصدر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، بيانًا أكد فيه تحقيق "إنجازات مهمة يمكن أن تؤثر في مجريات المعركة"، دون تحديد تفاصيل دقيقة، موضحًا أن سلاح الجو استهدف مسؤولين كبارًا داخل إيران كانوا يشاركون في أنشطة مرتبطة بما وصفه بالإرهاب، انطلاقًا من غزة والضفة الغربية، وقد كانوا متخفين في موقع سري داخل العاصمة طهران.
البيان نفسه لم يدرج أسماء المستهدفين، لكن مصادر في هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مسؤول أن الجيش حاول أيضًا القضاء على أكرم عاجوري، رئيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، المتهم بأنه الرجل الثاني في التنظيم ونائب زعيمه زياد نخالة، إضافة إلى كونه قائدًا ميدانيًا يمثل أحد الأسماء الأكثر غموضًا في صفوف الحركة.
وربطت المصادر بين مقتل سليماني وعاجوري بإمكانية أن تكون الغارات قد أفضت بالفعل إلى قتلهما معًا، ما لم يُعلَن رسميًا بعد من قبل البلدين. وقد كشف الجيش الإسرائيلي أن الضربة الجوية التي نفّذها سلاح الجو كانت "بتوجيه دقيق من هيئة الاستخبارات العسكرية"، وأسفرت عن مقتل غلام رضا سليماني، الذي قاد منظمة الباسيج خلال السنوات الست الماضية، في قلب العاصمة الإيرانية.
وتُعد قوات الباسيج فرعًا شبه عسكري يتكون من متطوعين ويتبع للحرس الثوري الإيراني منذ تأسيسها عام 1979، وقد لعبت دورًا بارزًا في الأنشطة الداخلية والخارجية للنظام الإيراني. وأكد الجيش أن القضاء على سليماني يمثل "نجاحًا إضافيًا في استهداف عشرات القادة الكبار في القوات المسلحة التابعة للنظام الإيراني، وضربة قوية لمنظومات القيادة والسيطرة الأمنية في طهران".