اشكالية تلقي النقد الدرامي المغربي: عقد الشخصنة وحب المديح
يطرح واقع الساحة الفنية في المغرب إشكالًا متكرّرًا يتمثل في طبيعة العلاقة المتوترة بين النقّاد وصُنّاع السينما والتلفزيون، إذ نلاحظ أن كثيرًا من الفنانين والمخرجين والمنتجين يتعاملون مع النقد باعتباره هجومًا شخصيًا، وليس قراءة تحليلية للعمل الفني كما هو الحال في عقل الناقد المهني نفسه، بينما ينطلق هذا الخلط من غياب التمييز بين الذات والعمل، حينها يذوب الإبداع في صاحبه، فيُفهم أي تفكيك فني على أنه استهداف مباشر للشخص. غير أن النقد في جوهره فعل فكري ينشغل بالفكرة والمحتوى والرسالة والوسائل الفنية التي اعتمدها المبدع لتبليغها، لهذا يصبح من الضروري إعادة طرح هذا السؤال، حينما تتداخل العلاقات الشخصية مع المهنية، وتتأثر المواقف النقدية أحيانًا بحساسيات ضيقة لا تخدم تطور الفن.
ويجد العديد من الفنانين أنفسهم غير قادرين على الفصل بين شخصهم وما يقدمونه من أعمال، فيتحول النقد إلى جرح للكرامة عوض أن يكون فرصة للتطوير، وهذا الخلط يجعل ردود الأفعال مشحونة بالعاطفة، فتبرز في شكل تبريرات أو هجمات مضادة، وليس نقاش هادئ للأفكار، والدليل أن بعض المخرجين يرفضون أي ملاحظة تمس البناء الدرامي أو الإخراج، معتبرين ذلك تقليلًا من قيمتهم، رغم أن النقد موجّه للعمل لا للشخص، كما أن الممثل قد يرى في تقييم أدائه إهانة، بينما هو في الحقيقة تحليل لأدواته التعبيرية لا غير.
ويتعامل بعض الفاعلين في المجال الفني مع النقد كخصم، في حين أنه أداة أساسية لتحسين جودة الأعمال، فالنقد الجاد يكشف الثغرات في السيناريو، ويقوّم الإخراج، ويحلل الإيقاع والرسائل الضمنية، وكلها عناصر قابلة للتطوير، وقد أثبتت التجارب أن الأعمال التي تُناقش بحس نقدي تكون أكثر قدرة على النضج والاستمرار، لأن صُنّاعها يستفيدون من الملاحظات عوض رفضها.
وتُهيمن في بعض الأوساط الفنية ثقافة الإشادة والمجاملة، وهذا يجعل الفنان غير معتاد على النقد الصريح، وعندما يواجه رأيًا مخالفًا يفسّره كعداء، وهذه البيئة تُنتج أعمالًا ضعيفة لأنها لا تخضع لامتحان حقيقي، والدليل أن بعض الإنتاجات التي تحظى بمديح إعلامي واسع تفشل في التأثير، لأن ذلك المديح لم يكن قائمًا على تقييم موضوعي.
ويرفض الناقد المهني بناء علاقات صداقة مع صُنّاع السينما والتلفزيون، لأن ذلك قد يجرّه إلى المجاملة أو النفاق، فالعلاقة الشخصية تُضعف استقلالية الحكم، وتجعل النقد فاقدًا لمصداقيت، لهذا يحرص الناقد الجاد على أن تبقى علاقته قائمة على المسافة والموضوعية، حتى يظل قادرًا على قول الحقيقة كما يراها، وليس كما يُراد له أن يقولها.
وينطلق الناقد من قناعة راسخة مفادها أن العمل الفني هو موضوع التحليل، وليس صاحبه، لذلك لا يمكن أن يضيّع جهدًا فكريًا طويلًا، قد يمتد إلى مقال من 1200 كلمة أو أكثر، من أجل شخص بعينه، إذ إن ما يحركه هو الرغبة في فهم الظاهرة الفنية وتحليل خطابها ومساءلة أدواتها، وليس تصفية حسابات أو استهداف أسماء معينة، ولهذا فإن توجيه النقد إلى عمل ما لا يعني إطلاقًا استهداف صاحبه. لماذا؟ لانه بكل بساطة هو انخراط في نقاش أوسع حول جودة الإنتاج الفني في المغربن والدليل أن النقاد الجادين يكتبون عن أعمال مختلفة وبأسماء متعددة، دون أن يكون لهم موقف شخصي من أصحابها، وهذا يؤكد أن اهتمامهم منصب على الفكرة لا على الشخص.
ويميّز الوعي المهني بين حق الفنان في الترويج لعمله، وبين الانزلاق إلى شراء المواقف النقدية، فمن الطبيعي أن ينفق المنتج أو المخرج ماله على الدعاية والتسويق، لأن ذلك جزء من صناعة الفن، وحق مشروع يهدف إلى الوصول إلى الجمهور، بينما الخطير هو أن يتحول هذا الإنفاق إلى وسيلة لتزييف المقالات النقدية وشراء الأقلام، لأن ذلك يفرغ النقد من معناه ويحوّله إلى إعلان مقنّع، وهذا السلوك يكشف ضعفه العمل وضعف صناعه، لأن العمل الجيد يفرض نفسه دون حاجة إلى تلميع مصطنع، لهذا فإن اللجوء إلى تزييف النقد يُعد مؤشرًا على فشل فني وأخلاقي أما الابداع فهو لا يساوم وبعيد كل البعد عن رواد السينما و الدراما المغربية حاليا.
ويميل الفنان الناضج إلى قراءة ما يُكتب عنه، خاصة الآراء الناقدة، لأنها تساعده على اكتشاف نقاط ضعفه وتطوير أدواته، فهو يدرك أن الإشادة وحدها لا تكفي للنمو، وأن التعلم الحقيقي يأتي من الملاحظات الصارمة، بينما يكتفي بعض الفنانين بالمديح، ويفرحون به دون تمحيص، وهذا تعبير واضح في ضعف تقبل الرأي الآخر، إذ إن الفرق بين الحالتين يكمن في الوعي: فالأول يبحث عن التطور، والثاني يهرب منه، لهذا فإن العلاقة الصحية مع النقد تُعد مؤشرًا على توازن الفنان ونضجه المهني.
ويظل النقد عنصرًا أساسيًا في بناء مشهد فني متطور في المغرب، لأنه يخلق نقاشًا حقيقيًا حول جودة الأعمال ويمنع الركود، بينما الاستفادة منه تظل مرتبطة بقدرة صُنّاع السينما والتلفزيون على تقبّل الرأي المختلف وفصل ذواتهم عن أعمالهم، كما أن على الناقد أن يحافظ على استقلاليته، وألا يسمح بتحويل النقد إلى أداة مجاملة أو دعاية، وبين هذا وذاك تتشكل بيئة فنية صحية قوامها الحوار الصادق، والتقييم الموضوعي، وليس الحساسية المفرطة والتلميع الزائف.