الأدب المدني السياسي في مواجهة الأدب الريفي الأسطوري
ينتمي أدب محمد سلماوي إلى أجواء المدينة والطبقة المتوسطة والمثقفة. ويتميز أسلوبه بالوضوح والتركيز على القضايا السياسية والاجتماعية المباشرة، مع حضور قوي للمسرح الذي يعتمد على الحوار الفكري والرمزي. أما أدب يحيى الطاهر عبدالله (1942 – 1981) فينتمي إلى أجواء الصعيد والأسطورة، وهو يعتبر من روَّاد جيل الستينيات الذين نقلوا القصة إلى حداثة مغايرة.
تنبع أعمال يحيى الطاهر عبدالله (مثل الطوق والأسورة) من بيئة الصعيد بخصوصيتها الشديدة، ويتميز أسلوبه بلغة "شعرية" مكثفة تمزج بين الواقع والأسطورة والروح الشعبية، حيث تظهر قريته "الكرنك" كعالم سحري ومأساوي في آن واحد.
وعلى ذلك يمكن القول إن أدب سلماوي مدني سياسي بامتياز، بينما أدب يحيى الطاهر ريفي أسطوري شديد الخصوصية في لغته وبيئته.
وعلى الرغم من ذلك استطاع كل منهما تشريح المجتمع المصري، لكن بأدوات متباينة تمامًا. فسلماوي كاتب "منبري"؛ مسرحه هو ساحة للاشتباك مع الواقع السياسي المباشر، ويركز على صراع الأيديولوجيات، والتطرف، والفساد الإداري. ويعتمد على الحوار الذهني القوي، والرمزية السياسية الواضحة (مثل مسرحية "الجنزير" التي ناقشت قضية الإرهاب). إن أدبه يخاطب العقل ويسعى لإثارة وعي المشاهد بقضايا الساعة. فـ "الجنزير" تقدم دراما واقعية عن الصدام بين الدولة والجماعات المتطرفة في إطار مدني، حيث الأفكار تتصارع وجهًا لوجه. أما "الطوق والأسورة" – وهي من أشهر أعمال يحيى الطاهر عبدالله - فهي ملحمة صعيدية تغوص في عوالم الفقر والقهر والعادات الموروثة. هنا لا يوجد "حوار سياسي"، بل توجد أساطير، وقدر محتوم، ولغة تفيض بالشعر والمأساوية.
إن سلماوي يكتب "الموقف"، بينما يحيى الطاهر يكتب "الحالة الإنسانية" في أقصى تجلياتها البدائية والجمالية. فضلا عن أن سلماوي "مسيّس" حتى النخاع، لكنه لا يستخدم الخطابة، بل يستخدم الرمز الذكي، ومسرحيته "الجنزير" لم تكن مجرد نص عن الإرهاب، بل كانت رمزاً للقيود التي يفرضها الفكر المتطرف على المجتمع (الجنزير الذي يربط الشخصيات). ويهدف إلى التغيير المجتمعي المباشر وتسليط الضوء على "المسكوت عنه" في السياسة.
ونشير إلى أن المرأة في عالم يحيى الطاهر عبدالله، ليست مجرد شخصية، بل هي حاملة التراث والألم. فـ "حزينة" في الطوق والأسورة: هي الأم الصابرة، التي تشهد انهيار العائلة. إنها تمثل المرأة الصعيدية المحاصرة بين "طوق" الفقر و"أسورة" العادات والتقاليد الخانقة. إن النساء عنده يمثلن الأرض والخصوبة، لكنهن دائماً ضحايا لجهل الرجل أو لقسوة الطبيعة والقدر. وقد استطاع يحيى الطاهر عبدالله أن يصف مشاعرهن بلغة تقترب من "العديد" (الجنازي الصعيدي)، مما يضفي صبغة قدسية ومأساوية على معاناتهن. إنه يستخدم المرأة كـمرآة لانكسار الروح البشرية في الصعيد.
أما إذا تحدثنا عن المقارنة بين "الطوق والأسورة" و"أوديب في الطائرة" – على سببيل المثال - فسنجد أنهما تختلفان في البيئة والتوظيف الفني. فـ "الطوق والأسورة" تدور في صعيد مصر (قرية الكرنك بالأقصر)، وتركز على حياة المهمشين والفقراء. وتتناول قهر المرأة، والفقر، وسيطرة العادات والتقاليد والأساطير الشعبية التي تحكم حياة الناس كأنها قدر محتوم (الطوق). ويعتمد الكاتب على لغة شاعرية مكثفة، وتوظيف للثقافة الشعبية والغيبيات (السحر، المعبد، النبوءات المحلية) لتصوير مأساة "حزينة" وابنتها وحفيدتها. إن "الطوق" هنا يرمز للقيود والفقر، و"الأسورة" ترمز للعار أو القيد الاجتماعي الذي يلاحق النساء. بينما "أوديب في الطائرة" تدور أحداثها داخل طائرة، وتمزج بين الزمن المعاصر (فترة ثورة 25 يناير 2011) والأسطورة اليونانية القديمة. حيث يستخدم سلماوي الإسقاط السياسي المباشر من خلال أسطورة "أوديب" لتناول علاقة الحاكم بالشعب، وصراع السلطة، والمصير السياسي المحتوم، مع تضفير بديع بين الأسطورة الإغريقية والواقع السياسي المصري الحديث، حيث تتقاطع النبوءة القديمة مع أحداث الثورة وسقوط النظام. إن أوديب يرمز للحاكم الذي يواجه مصيره (النفي أو السقوط) نتيجة أفعاله التي أدت لخراب "طيبة" (التي ترمز لمصر في الرواية).
في "الطوق والأسورة" وظَّف يحيى الطاهر عبدالله أساطير شعبية مصرية وريفية، وركَّز على القهر الاجتماعي (قهر النساء والفقر) من خلال منزل ريفي صعيدي منعزل، بينما يتعامل سلماوي مع مجتمع سياسي معاصر مفتوح، موظفًا أسطورة إغريقية كلاسيكية، وكان التركيز سياسيًّا من خلال الحاكم والثورة والسلطة.
وقد تحكمت العادات والتقاليد والجهل في مصير شخصيات "الطوق والأسورة"، بينما فرضت أخطاء السلطة والسياسة نفسها على مصير "أوديب المصري".