الإعدامات التعسفية في إيران: بين خطاب التآمر وانتهاك الحق في الحياة
في ظل التصاعد المستمر للتوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، تواصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية توظيف خطاب سياسي ممنهج قائم على اتهام الآخرين بالتآمر، في إطار استراتيجية متكررة تهدف إلى خلق هواجس داخلية وتبرير سياساتها الأمنية المشددة تجاه المواطنين الإيرانيين والنيل من المعارضين.
غير أن هذا الخطاب يتقاطع في كثير من الأحيان مع ممارسات فعلية يقوم بها النظام، حيث تثير تساؤلات قانونية جدية، لا سيما فيما يتعلق بحالات الإعدام المشبوه خارج نطاق القانون والانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان المعترف به عالميًا، وإشارة واضحة على وجود سوء نية داخل عقل النظام الإيراني في اتباع نهج وسياسات أكثر تشددًا ضد الشعب وحكومة إقليم كردستان العراق، وبشكل عام ضد الشعب الكردي في المنطقة، بما في ذلك الشعب الكردي داخل إيران.
خطاب التآمر كأداة سياسية
تعتمد إيران منذ عقود على خطاب توجيه اتهامات تجاه أطراف خارجية، يُقدَّم كوسيلة لتفسير أسلوب تغير الأزمات الداخلية وتحويل الانتباه عن التحديات الاقتصادية والسياسية داخل طهران. وغالبًا ما تفتقر هذه الاتهامات إلى أدلة موثوقة ومقنعة، لتبقى في إطار السرد السياسي الذي يخدم أغراضًا داخلية أكثر من كونه يستند إلى وقائع موضوعية.
في المقابل، يشير الواقع الحقيقي على الساحة الدولية إلى أن إيران نفسها متورطة في تدخلات إقليمية واسعة، شملت دولًا مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق، بل وامتدت إلى مناطق أبعد حتى وصلت إلى التدخل في دول من أميركا اللاتينية مثل فنزويلا، والقارة الإفريقية مثل السودان.. الخ. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة الفعلية يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمصداقية الادعاءات الإيرانية الرسمية تجاه أطراف ودول المنطقة.
إقليم كردستان في دائرة الاتهام
تتكرر الاتهامات الإيرانية تجاه إقليم كردستان العراق، ليس بالضرورة استنادًا إلى وقائع مثبتة، بل في سياق حسابات سياسية وأمنية. منذ انسحاب القوات الأميركية بعد غزو العراق واحتلاله في سنة 2003، يُنظر إلى الإقليم من جهة على أنه يفتقر إلى حماية سيادية كاملة من الحكومة الاتحادية في العراق، ومن جهة أخرى بسبب افتقار الإقليم إلى حماية وسيادة كاملة ككيان مستقل ضمن المنظومة الدولية، تسعى إيران عن طريق هذه الاتهامات إلى خلق حالة من القلق داخل الأوساط الكردية، خاصة في ظل ما تتعرض له كردستان من تضييق سياسي واقتصادي من قبل الحكومة العراقية بعد إجراء عملية الاستفتاء على الاستقلال في سنة 2017.
ما دفع إيران إلى المشاركة الميدانية إلى درجة أن الضباط وقيادات الحرس الثوري أشرفوا على العمليات العسكرية للاستيلاء على المناطق التي تسمى مناطق متنازع عليها بين حكومة الإقليم والحكومة العراقية حسب المادة 140 من الدستور العراقي، بما فيها محافظة كركوك، حيث أن الغالبية من السكان هم من الشعب الكردي، وكذلك مخاوف إيران على الوضع الحالي للأكراد في الداخل الإيراني من تضييق سياسي وأمني واقتصادي متعمد.
هذه الاتهامات تتعارض مع طبيعة السلوك السياسي لإقليم كردستان، الذي ما زال قائمًا منذ نشأته عام 1993 تحت حماية دولية وحتى الآن، بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى واحترام إرادة شعوب المنطقة في حق اختيار حكوماتهم، والانخراط في مبادرات تعاون إقليمي، بما في ذلك الوساطات الأمنية والتنسيق مع الأطراف المختلفة في المنطقة. لم تتعرض أراضٍ إيرانية إلى هجمات كان مُنطلقها الإقليم حتى إن الأحزاب الكردية المعارضة لإيران التزمت بمطالب الإقليم بعدم جعل أراضي إقليم كردستان نقطة انطلاق نشاطاتها العسكرية تجاه الجمهورية الاسلامية.
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان
في هذا السياق، تبرز قضية الإعدام خارج نطاق القانون كأحد أخطر الانتهاكات المرتبطة بالممارسات الأمنية، فتنفيذ إعدام بحق أفراد دون ضمانات المحاكمة العادلة، أو في ظل اعترافات منتزعة تحت الإكراه والتعذيب بدوافع ومكاسب سياسية، يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للأمم المتحدة، حيث ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 6 على حماية الحق في الحياة باعتباره حقًا غير قابل للانتقاص، كما يحظر في المادة 7 التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. إن هذه الالتزامات تبقى قائمة في جميع الظروف وفي كل الدول، ولا يجوز لأي طرف تبرير انتهاكها تحت أي ذريعة، سواء كانت أمنية أو سياسية.
تعتبر منظمات دولية أن عمليات الإعدام في إيران لا تستوفي أدنى المعايير الدولية فيما يخص المحاكمة العادلة، وإنما قائمة على خلفيات غير قانونية، قد ترقى إلى مستوى الإعدام التعسفي، وهو ما يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان في ظل التوترات والحروب في المنطقة.
وتشير تقارير لمنظمات حقوق الإنسان، منها منظمة العفو الدولية، إلى وجود أسماء 30 شخصا، بما فيهم أشخاص تحت سن الثامنة عشرة، على قائمة الإعدامات الإيرانية، وتعتبر هذه الإجراءات خرقًا واضحًا وصريحًا لحقوق الطفل وحقوق الإنسان.
بين الخطاب والتبرير لمشاريع توسعية
يثير تزامن تصعيد الخطاب في إيران مع تنفيذ إجراءات قمعية ضد المواطنين، بما في ذلك الإعدامات وقتل المتظاهرين، تساؤلات ومخاوف حول استخدام هذا الخطاب السياسي والإعلامي كتمهيد لتبرير ممارسات أكثر تشددًا، فبدلًا من معالجة التحديات الداخلية عبر إصلاحات حقيقية، يتم اللجوء إلى تصعيد خارجي وخطاب أمني لتبرير السياسات العدائية القائمة ضد الدول والحكومات وشعوب المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وإقليم كردستان العراق ضمن دائرة الاستهداف الممنهجة.
حق الحياة قاعدة ثابتة
إن حماية الحق في الحياة وحظر التعذيب يمثلان حجر الأساس في منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان ولا يمكن لأي دولة، بما في ذلك إيران، أن تتنصل من هذه الالتزامات تحت غطاء الخطاب السياسي أو الاعتبارات الأمنية والدينية القائمة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.
ورغم وجود حرب قائمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال إيران ماضية في سياسة الترهيب ونشر الذعر بين المواطنين العزل بعمليات تنفيذ إعدامات سريعة دون إجراءات ومحاكمات عادلة، وعدم إعطاء المتهمين حق الدفاع عن أنفسهم.
إن ضمان المساءلة والشفافية، وفتح تحقيقات مستقلة في حالات الإعدامات السريعة في إيران، يُعدان خطوة أساسية نحو احترام سيادة القانون وحماية الكرامة الإنسانية. وفي ظل استمرار هذه الانتهاكات، يبقى دور المجتمع الدولي محوريًا في رصد وتوثيق هذه الممارسات والجرائم، والعمل على ضمان عدم إفلات المسؤولين من المساءلة والعدالة، واتخاذ إجراءات صارمة بحق الجهات المسؤولة عن هذه الانتهاكات الصارمة والخطيرة.