الإعلام الموجَّه للطفل في الوطن العربي: الواقع والآفاق

من الضروري جعل الطفل العربي في قلب كل مشروع إعلامي، لا على هامشه.

مقدمة:

يشهد العالم المعاصر تحولات إعلامية متسارعة أثّرت في جميع الفئات العمرية، وعلى رأسها فئة الأطفال، التي تُعدّ من أكثر الفئات قابلية للتأثر والتشكّل. ويُعدّ الإعلام الموجَّه للطفل من أبرز أدوات التنشئة الاجتماعية والثقافية، نظرًا لدوره في تشكيل القيم والمعارف والسلوكيات منذ المراحل الأولى من العمر.

وقد تطرقتُ إلى هذا الموضوع في مداخلتي ضمن برنامج "جذور وأغصان" الذي تبثه القناة السادسة المغربية، بدعوة من الأستاذ الدكتور خالد الصمدي، الوزير المنتدب السابق لدى وزير التعليم العالي، بتاريخ 30/11/2011 حيث ناقشنا التحديات التي تواجه إعلام الطفل العربي، وسبل تطويره ليؤدي رسالته التربوية والثقافية كما ينبغي.

أولًا: مفهوم الإعلام الموجَّه للطفل

الإعلام الموجَّه للطفل هو مجموع الوسائط والمضامين الإعلامية المصممة خصيصًا لتلبية احتياجات الطفل النفسية، والمعرفية، والترفيهية، والتربوية. ويتطلب هذا النوع من الإعلام فهمًا عميقًا لخصائص الطفولة، ومراحل نموها، وقدرةً على تبسيط المفاهيم وتحويلها إلى رسائل تربوية ممتعة وآمنة.

وظائفه الأساسية:

  • التعليم والتثقيف: تقديم المعلومات والمعارف بطرق مبسطة وجذابة.
  • الترفيه: توفير المتعة في إطار يحترم القيم التربوية.
  • بناء الهوية: غرس القيم الوطنية والدينية والاجتماعية.
  • التنشئة الاجتماعية: تعليم الطفل أسس التفاعل المجتمعي الإيجابي.

ثانيًا: واقع الإعلام الموجَّه للطفل في الوطن العربي

رغم وجود تجارب محدودة ناجحة، فإن الإعلام الموجَّه للطفل العربي لا يزال يشكو من ضعف في الرؤية، وتواضع في الإنتاج، وغياب التنسيق بين الجهات الفاعلة. وقد أظهرت مداخلتي في برنامج "جذور وأغصان" حجم الفجوة القائمة بين ما يحتاجه الطفل العربي من مضامين هادفة، وما يُقدَّم له من محتوى أحيانًا لا يراعي لا ثقافته ولا احتياجاته النفسية والمعرفية.

الملامح العامة:

  • اعتماد مفرط على الدبلجة دون إنتاج محلي أصيل.
  • غلبة الطابع التجاري على المضامين.
  • قلة البرامج التي تجمع بين الترفيه والتربية.
  • التأثر الكبير بالمحتوى الغربي عبر المنصات الرقمية.

وقد أشرتُ خلال البرنامج إلى أن بعض القنوات تسهم في تغريب الطفل ثقافيًا، من خلال مضامين غير منضبطة، ما يستوجب إعادة النظر في سياسة الإنتاج الإعلامي العربي الموجَّه للطفل.

ثالثًا: التحديات البنيوية والمضمونية

  • غياب الكوادر المؤهلة والمتخصصة في إعلام الطفل.
  • ضعف الاستثمار في المحتوى التربوي الرقمي العربي.
  • هيمنة الثقافة الأجنبية عبر المنصات المفتوحة.
  • تجاهل مراحل النمو الفارقة بين الطفولة المبكرة والمتأخرة.
  • تهميش دور المؤسسات التربوية في إنتاج أو مراقبة المحتوى الإعلامي.

وقد بيّنت في مداخلتي ضمن برنامج "جذور وأغصان" أن بناء محتوى طفولي فاعل يتطلب إدماج خبراء التربية وعلم نفس الطفل منذ مرحلة الكتابة والتخطيط.

رابعًا: آفاق تطوير الإعلام الموجَّه للطفل

من أجل إعلام طفولي عربي مسؤول وفعّال، لا بد من مقاربة شمولية تتداخل فيها الجوانب التربوية والثقافية والإبداعية، ضمن رؤية عربية واضحة.

مقترحات تطويرية:

  • إعداد ميثاق عربي موحَّد لإعلام الطفل يُراعي الخصوصية الثقافية.
  • إنشاء هيئات وطنية مستقلة لمراقبة وتقييم مضامين الإعلام الطفولي.
  • تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والتربوية.
  • دعم الإنتاج المحلي التفاعلي والرقمي باللغة العربية.
  • إدماج الأسرة والمدرسة في الرقابة التربوية التشاركية على المحتوى.

كما أكدتُ في ختام مداخلتي أن الرهان على إعلام الطفل هو رهان على الوعي الجماعي للأمة، إذ لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله دون أن يحسن مخاطبة أطفاله.

خاتمة:

الإعلام الموجَّه للطفل في الوطن العربي لا يزال في حاجة ماسّة إلى مراجعة شاملة، تبدأ من التشخيص الجريء، وتنتهي ببناء نموذج إعلامي يستند إلى مرجعيتنا الحضارية والثقافية. وقد حاولتُ في مداخلتي على القناة السادسة المغربية، ضمن برنامج "جذور وأغصان"، أن أضع هذا الموضوع ضمن سياقه التربوي، مشددًا على ضرورة جعل الطفل العربي في قلب كل مشروع إعلامي، لا على هامشه.

المراجع:

  1. عبدالله عبدالدائم، الطفل والتربية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  2. يوسف الصديق، الطفولة والإعلام: مدخل إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية، دار التنوير.
  3. المجلس العربي للطفولة والتنمية، مجلة "الطفل العربي"، أعداد متعددة.
  4. تقارير منظمة اليونسيف (UNICEF) حول الإعلام والطفل.
  5. مداخلة شخصية ضمن برنامج "جذور وأغصان" على القناة السادسة المغربية، حول موضوع: "الإعلام الموجه للطفل والبديل الإسلامي المنشود" بدعوة من الدكتور خالد الصمدي، 2011.