التراث الغنائي المغربي يستعيد بريقه في رمضان
الرباط ـ تستمر فرقة "ناس الغيوان" في إثبات حضورها على الساحة الفنية، بإحياء سهرة 11 مارس/آذار المقبل ضمن تظاهرة "رمضان في المدينة" التي تقام بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي في تونس العاصمة.
ويأتي هذا الحدث بعد نجاحها الصيف الماضي ضمن مهرجان الحمامات الدولي، حيث اعتبر الجمهور فقرتها من بين الأكثر نجاحا، مؤكدين على قوة تأثير موسيقى الفرقة رغم مرور سنوات طويلة على تأسيسها.
وعلى الرغم من مرور عقود على تأسيس بعض الفرق التاريخية، فإن أسماء مثل "ناس الغيوان"، "جيل جيلالة"، و"المشاهب" لا تزال تحافظ على حضورها القوي، مستقطبة أجيالا جديدة من الجمهور، سواء من خلال الفرق الأصلية أو عبر تشكيل فرق نسائية تحمل نفس الأسماء، محاولة بذلك الجمع بين الأصالة والتجديد.
وتعتبر مجموعة "ناس الغيوان" من أبرز الفرق التي جسدت صوت المغرب الشعبي، بفضل مزيجها الفريد من الموسيقى الأندلسية، الصوفية، والموسيقى الشعبية المغربية التقليدية.
وتأسست المجموعة في السبعينيات بمدينة فاس على يد مجموعة من الشباب المغاربة الذين سعوا إلى تحويل الموروث الموسيقي المغربي إلى تجربة معاصرة يمكن للجيل الجديد الارتباط بها.
وتميزت بأسلوبها الغنائي العميق الذي يمزج الشعر المغربي الشعبي بالحكايات الاجتماعية والسياسية، مع إيقاعات موسيقية مستوحاة من الطبول، آلة البانجو، آلة الهجهوج (السنتير)، ما جعلها نموذجا للموسيقى الاحتجاجية والفكرية في آن واحد.
وتؤكد هذه العروض قدرة الفرقة على التكيف مع المشهد الفني الحديث، والحفاظ على إرثها الثقافي، مع تقديمه لجمهور عربي واسع خارج المغرب.
ويقول عبدالكريم بلعابد، أحد أعضاء الفرقة الحاليين، " ناس الغيوان ليست مجرد موسيقى، بل هي ذاكرة جماعية. نحن نغني لنحافظ على روح المغرب، ونشعر أن رسالتنا ما زالت تجد صداها لدى الشباب."
وبالإضافة إلى "ناس الغيوان"، يبرز اسم "جيل جيلالة" كأحد الفرق التي استطاعت تقديم الموسيقى الأمازيغية بطريقة مبتكرة.
وتأسست الفرقة في أواخر السبعينيات في مدينة الدار البيضاء، وركزت على توظيف آلات موسيقية حديثة مع مقاطع تقليدية مغربية لتعكس الحِراك الثقافي والاجتماعي في المغرب.
واشتهرت الفرقة بأسلوبها الذي يمزج الرقص الشعبي مع الأداء الغنائي، مقدمين حفلات تضج بالحياة والإيقاعات الحماسية التي تعكس ثقافة شمال إفريقيا بشكل معاصر.
ويقول محمد الباز، أحد مؤسسي الفرقة، "جيل جيلالة كانت دائما صوتا للتنوع الثقافي المغربي. نحن نؤمن أن الموسيقى الأمازيغية قادرة على مخاطبة العالم، لأنها تحمل في طياتها قيم الحرية والفرح."
وعلى الرغم من مرور عقود، لم تتوقف جيل جيلالة عن المشاركة في المهرجانات العربية والدولية، مؤكدين على أن الموسيقى المغربية التراثية ليست مجرد ذاكرة، بل تجربة حية تتفاعل مع جمهور الشباب وتسهم في تشكيل ذائقة موسيقية جديدة.
وقد ساهمت الفرقة في استقطاب فرق نسائية تحمل نفس الاسم، محاكية التجربة الأصلية، لكنها تضيف لمسة عصرية تتماشى مع ذوق المستمعين الحاليين.
أما فرقة "المشاهب"، فهي الأخرى تحافظ على حضورها الموسيقي القوي في المشهد الفني العربي، وهي فرقة أسست في السبعينيات بمدينة الرباط.
وتركز "المشاهب" على الموسيقى الصوفية والشعر المغربي التقليدي، مع استخدام آلات موسيقية متوافقة مع الطابع المغربي الأصيل. وقدمت الفرقة على مدى السنوات حفلات ناجحة في المغرب والعالم العربي، مع برامج موسيقية تجمع بين الفن التراثي والإيقاعات الحديثة، ما يجعلها قادرة على مخاطبة جمهور متنوع.
ويقول محمد السوسدي، أحد أبرز وجوه الفرقة، "المشاهب ليست مجرد فرقة، بل هي مدرسة موسيقية. نحن نعتبر أن الحفاظ على التراث واجب، لكننا أيضًا نبحث عن طرق لتقديمه بروح جديدة."
وتشهد السنوات الأخيرة ظهور نسخ نسائية لهذه الفرق، بما في ذلك "المشاهب"، "جيل جيلالة"، و"ناس الغيوان"، حيث تتولى فرقة نسائية أداء نفس الأغاني الكلاسيكية، مع إدخال تعديلات موسيقية طفيفة لتناسب الأجيال الجديدة، وهو ما يعكس قدرة التراث المغربي على التكيف مع الزمن دون فقدان هويته.
ومن أبرز الاتجاهات الحديثة في المشهد الفني المغربي والعربي، هو ظهور فرق نسائية تحمل أسماء الفرق التاريخية نفسها، مثل نسخة نسائية من "ناس الغيوان" أو "جيل جيلالة".
وتؤكد هذه الظاهرة أن إرث هذه الفرق لم يعد مقتصرًا على مؤسسيها الأصليين، بل أصبح مصدر إلهام للنساء الراغبات في الحفاظ على التراث الموسيقي المغربي وتقديمه بشكل جديد ومواكب للعصر.
وتقول سلمى بنعيسى، من فرقة "جيل جيلالة" النسائية عن تجربتها، "نحن نحاول الجمع بين روح الفرقة الأصلية والطابع العصري، بحيث يظل الجمهور مرتبطًا بالأغاني التراثية، وفي نفس الوقت نقدم عرضًا موسيقيًا متجددًا يشد انتباه الشباب".
هذه الفرق النسائية لا تعمل فقط على أداء الأغاني، بل تحرص على تقديم سرد بصري وموسيقي متكامل، يشمل الرقص والإضاءة والتقنيات الصوتية الحديثة، ما يجعل الحفلات أكثر جذبًا للجيل الحالي.
ويتجاوز حضور هذه الفرق حدود المغرب كما يتضح من تظاهرة "رمضان في المدينة" التي تستضيف ناس الغيوان في تونس العاصمة.
وتندرج هذه المشاركة ضمن سياق تعاون عربي متنامٍ، إذ تهتم المهرجانات في تونس، الجزائر، والمغرب باستضافة الفرق التراثية المغربية لإبراز قيم الفنون الشعبية والتراثية المغربية أمام جمهور متنوع.
إن استمرار حضور هذه الفرق على الساحة الفنية، سواء بنسخها الأصلية أو النسائية، يثبت أن الموسيقى المغربية التراثية ليست مجرد إرث من الماضي، بل تجربة حية تتفاعل مع الجمهور العربي والدولي.
وتؤكد قدرتها على التكيف مع الأجيال الجديدة على أن هذه الفرق تظل جزءًا أساسيًا من المشهد الفني والثقافي في المنطقة.





