التراث سلاحٌ سياسي عند دنقل ووعاءٌ للقيم عند سويلم
ينتمي كل من الشاعرين أمل دنقل (1940 – 1983) وأحمد سويلم (1942) إلى جيل الستينيات في الشعر المصري المعاصر، إلا أن تجربتهما تباينت بشكل ملحوظ سواء في التوجهات الفنية أو الموضوعات؛ فبينما ركَّز دنقل على "شعر الرفض" والصدام السياسي، اتجه سويلم نحو المسرح الشعري وأدب الطفل والقضايا القومية غير الصدامية مع السلطة.
يُلقب أمل دنقل بـ "أمير شعراء الرفض"، وتعتبر تجربته رمزًا للمقاومة والتمرد السياسي والاجتماعي، وقد نجح في توظيف التناص والرمز التاريخي، وبرع في استخدام الشخصيات التراثية والتاريخية كأقنعة للتعبير عن الواقع المعاصر، مثل توظيف شخصية أو أسطورة "زرقاء اليمامة" و"كليب" و"أبو موسى الأشعري" وغيرهم. وتتسم لغته بالقوة والحدّة، وغالبًا ما تكون مشحونة بالدراما والمواجهة. واعتمد على شعر التفعيلة بشكل أساسي مع الحفاظ على جرس موسيقي قوي. ومن أهم الموضوعات التي تناولها في قصائده: الرفض السياسي، ونقد معاهدات السلام، والهموم القومية العربية، ومعاناة الإنسان المطحون. ومن أشهر أعماله في هذا التوجه: ديوان "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (1969)، وديوان "تعليق على ما حدث" (1971) وديوان "العهد الآتي" (1975) وقصيدة "لا تصالح" أو "أقول جديدة عن حرب البسوس" (1983)، وقصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة".
أما أحمد سويلم فيميل إلى البساطة والوضوح، واستخدام لغة سهلة ومستساغة، خاصة في دواوينه الموجَّهة للأطفال. وهو يعد من أبرز من واصلوا كتابة المسرح الشعري في جيله سواء للأطفال أو الكبار. وتبتعد صوره الشعرية عن التعقيد الذهني، وتميل نحو الرشاقة والجمال الفني الهادئ. ومن أهم ركائزه الأدبية: أدب الطفل، والقيم التربوية والدينية، والقضايا القومية (مثل قضية فلسطين)، والحب الإلهي. ومن أشهر أعماله: مسرحيات شعرية مثل: "أخناتون" 1982، و"شهريار" 1983، و"عنترة" 1991، وديوان "الطريق والقلب الحائر" 1967، والعطش الأكبر" 1986 و"الشوق في مدائن العشق" 1987، و"قليل من البوح يكفي" 2024، بالإضافة إلى دواوينه ومسرحياته للأطفال المتعددة مثل "أنا وأصدقائي"، و"معركة الحروف" و"أحلامي الجميلة"، وعشر مسرحيات للأطفال، وحكايات وأغاني كامل كيلاني وغيرها.
وقد استخدم كل من الشاعرين التراث كركيزة أساسية لبناء نصوصهما، لكن أمل دنقل وظّفه كـ "سلاح سياسي" وقناع للمواجهة، بينما استخدمه أحمد سويلم كـ "وعاء قيمي" وبناء درامي للمسرح والطفل.
اعتمد دنقل على ما يُعرف بـ "التوظيف الإسقاطي"، حيث يستدعي الشخصية التراثية ليعيد صياغة الواقع المعاصر من خلالها. إنه لم يستعرض التاريخ لذاته، بل كان يستخدم شخصيات مثل "زرقاء اليمامة" للتعبير عن البصيرة المفقودة لدى الحكَّام، أو كليب (في قصيدة "لا تصالح") كرمز للحق الذي لا يقبل المساومة. فضلا عن أنه أعاد توظيف الرموز الدينية برؤية إنسانية وسياسية؛ فاستلهم من القصص القرآني (مثل سورة "العاديات" في قصيدة "الخيول" على سبيل المثال) لبناء صور شعرية تنتقد العجز العربي المعاصر. لقد استطاع دنقل تحويل الذاكرة الجماعية إلى قوة نقدية ورفض للواقع السياسي والاجتماعي.
يقول في "الخيول":
(اركضى أو قفى الآن .. أيتها الخيلُ :
لستِ المغيرات صبحا
ولا العاديات – كما قيلَ – ضبحا
ولا خضرة فى طريقك تُمحى)
بينما وظَّف سويلم التراث كـ "قيمة وبناء"، واتجه نحو التراث برؤية "أخلاقية ومعرفية"، مركّزاً على الجوانب التربوية والدرامية. وقد استلهم شخصياته التاريخية (مثل أخناتون وشهريار وعنترة) ليسقط عليها صراعات فكرية وفلسفية حول الحق والجمال، مستفيدًا من البناء الدرامي للتراث العربي. إنه تأثَّر بشكل عميق بـ "القرآن الكريم" والشعر في بعض عصوره القديمة، وخاصة شعر المتنبي (قصيدة "في حضرة المتنبي" على سبيل المثال)، حيث اتخذ من مفرداتهما معجمًا شعريًّا يُضفي طابعًا من الرصانة والجمال الفني على قصائده. وفي أدب الطفل (نثره وشعره) استطاع أن يوظّف السير والملاحم العربية (مثل سيرة الفتى العربي) لتقديم نماذج بطولية وقيم قومية للأجيال الجديدة ببساطة ووضوح، بهدف الحفاظ على الهوية العربية، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتقديم فن جميل يربط الجمهور بجذوره الموسيقية والثقافية.
وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن التراث عند أمل دنقل ثائر ومتمرد، يهدف لصدمة الوعي. وعند أحمد سويلم جاء التراث تعليميًّا وجماليًّا، يهدف لبناء الوجدان والقيم.
في قصيدة أمل دنقل الشهيرة "لا تصالح" التي كتبها بعد حرب أكتوبر وقبيل معاهدة السلام، يستحضر حرب البسوس من التراث الجاهلي. ويوظف شخصية "كليب" المقتول ليوجّه وصاياه لأخيه "المهلهل". هنا، "كليب" هو الحق العربي الضائع، و"المهلهل" هو الشعوب العربية (المهلهلة). ونلاحظ أن الواقعة التاريخية تتحوَّل إلى دستور أخلاقي؛ فالصلح في القصيدة ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو "خيانة للدم". حيث يقول:
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
عندما يملأ الحق قلبك :
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لقد استخدم دنقل في قصيدته مفردات تراثية جزلة (مثل: الثأر، الدرع، الحسام ..) لكن بصياغة حداثية صادمة تكسر أفق التوقعات. إن التراث عند الشاعر أداة تحريض؛ فهو لا يستحضر التاريخ للاستذكار، بل لرفض المساومة في الحاضر.
أما سويلم فقد استلهم شخصية "أخناتون" من التراث المصري القديم لتقديم رؤية مسرحية فلسفية حول الصراع بين التوحيد والوثنية. إنه لم يهتم بالثورة السياسية بقدر اهتمامه بـ "ثورة الروح". أخناتون عنده هو رمز للبحث عن الحقيقة والجمال المطلق. وعلى ذلك يركز نص سويلم على قيم التسامح والوحدانية، محاولاً إيجاد جذور لهذه القيم في التاريخ القديم لتعزيز الهوية. وقد اعتمد على لغة مسرحية شعرية تمتاز بالانسيابية والرقة، وتبتعد عن الصخب والضجيج، وتعتمد على الحوار الفلسفي الهادئ. إن التراث عند سويلم وعاء إنساني؛ يهدف إلى بناء وعي وجداني يقدس الحق والجمال، بعيدًا عن الصراعات المباشرة.
وقد لاحظنا في "لا تصالح" أن التراث هو "الطلقة" التي يواجه بها الشاعر الواقع. وفي "أخناتون" التراث المصري القديم هو "المرآة" التي يعكس فيها الشاعر القيم الخالدة.
وقد تبنى الشاعران شعر التفعيلة كإطار أساسي، لكن الموسيقى عند دنقل كانت "انفجارية" ودرامية، بينما اتسمت عند سويلم بالتدفق "الغنائي" والانتظام الدرامي. اعتمد دنقل على الموسيقى كعنصر مواجهة، ولم تكن مجرد زينة أو حلية. وكانت البحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة المتكررة (مثل المتقارب والكامل والمتدارك) تمنح نفسًا حماسيًّا وخطابيًّا وقوة للقصيدة الدنقلية. وجاء التدوير الموسيقي ليربط الأسطر الشعرية ببعضها البعض، لدرجة تُجبر القارئ على عدم التوقف، مما يخلق حالة من الملاحقة والتوتر تشبه ملاحقة القدر والموت. وجاءت قوافيه متمردة أيضًا، فالشاعر لم يلتزم بقافية موحدة، بل كان ينوعها لتناسب "الحالة النفسية"؛ فتارة تكون ساكنة وموجعة، وتارة تكون حادة وحاسمة. وقد لاحظنا أن هناك تكرارًا إيقاعيًّا في "لا تصالح"، نتج عن استخدم تكرار جملة "لا تصالح" كـ "لازمة موسيقية" تشبه ضربات الطبول، لترسيخ المعنى في الوجدان.
أما الموسيقى عند أحمد سويلم فقد اتسم إيقاعها بالانسجام، لأنه بنى موسيقاه لتكون طوع الأداء، سواء في المسرح أو لأذن الطفل. وامتازت تفعيلاته بالمرونة والرقة؛ إنه يختار من البحور "المجزوءة" أو القصيرة – خاصة في شعر الأطفال - التي تناسب أدب الطفل وتسهل الحفظ والترديد.
وفي مسرحياته، يوزع الموسيقى بين الشخصيات بشكل يحافظ على انسيابية الحوار؛ فلا يشعر القارئ أن الشعر يعيق تدفق الكلام الطبيعي. أما قوافيه فهي متنوعة وتميل إلى "المقطوعات" حيث يغير الشاعر القافية كل بضعة أسطر لخلق تنوع سمعي يطرد الملل، خاصة في النصوص الطويلة. إنه يبتعد عن التعقيدات الصوتية أو الكلمات الوعرة، فالموسيقى عنده تخدم الجمال الهادئ والوضوح الفكري.
وقد تجلَّى لنا التباين بين الشاعرين في اختيار المفردات؛ فبينما كان معجم أمل دنقل "هجوميًّا لاذعًا" ومرتبطاً بالأرض والصراع، وتميز لفظُه بالخشونة الفنية والارتباط المباشر بالواقع المرير، كان معجم أحمد سويلم "تهذيبيًّا" ومرتبطًا بالقيم والجمال والتصوف.
يقول سويلم لشيخه في ديوان "قليل من البوح يكفي":
اتركني .. إني ضقتُ بأغلالي
اتركني .. أشقى وأصارعُ أمواجي
أتذوقُ طعمَ النشوةِ في شفتي
لقد ارتبط معجم دنقل بألفاظ الصراع التي تكثر في شعره فنرى مفردات مثل (الدم، السيف، السبي، الخيانة، القيد، الرصاص، الرماد). إنها لغة مستمدة من أجواء الحروب القديمة والحديثة. وهو لم يتردد في استخدام كلمات من صميم الحياة اليومية أو السياسية المعاصرة، لكنه كان يصهرها في سياق شعري حاد. كما حلَّقت في قصائده الرمزية التاريخية عن طريق استخدم مفردات تراثية ذات دلالة قوية (مثل: اليمامة، البسوس، سبارتاكوس، سيزيف) ليعطي للفظ بُعدًا تاريخيًّا يتجاوز معناه اللغوي البسيط. وجاء اللفظ عنده "فعل" وليس مجرد وصف؛ فكلماته توحي بالحركة والمواجهة. بينما تميز لفظ سويلم بالانتقاء الجمالي والوضوح النسبي الذي يناسب المسرح والطفل. لذا كثرت ألفاظ ومفردات القيم في شعره مثل (الحق، الجمال، الشمس، النور، الصداقة، الوفاء، الصلاة). إنها هي لغة تبشر بالخير والإيمان. وهو يبتعد عن الكلمات الوعرة أو المهجورة؛ فالمفردة عنده وسيلة لإيصال فكرة تربوية للأطفال أو شعور إنساني رقيق للكبار.
أيضا اتسمت قصائد سويلم بالمعجم الصوفي/الإلهي، حيث نرى في ألفاظه أحيانًا مسحة روحانية صوفية، خاصة في "الشوق في مدائن العشق"، أو "قليل من البوح يكفي" على سبيل المثال، أو في مسرحياته التي تتناول شخصيات باحثة عن الحقيقة مثل "أخناتون" و"عنترة". إن اللفظ عند سويلم "لوحة"؛ يهدف من خلاله إلى رسم صورة جميلة ومستساغة تُريح القارئ وتجذبه.
يقول سويلم:
لم ألوِ لساني بلغاتٍ أخرى
تُسلبني رعشةَ قلبي
تُشْقَي شغَفي المتجددَ في شفتي
حتى شَعري الأشيبَ
حملَ جدائلها
وليس هناك شك في أن تجربة الشاعرين تشكلت في بيئتين مختلفتين؛ فبينما غرس الصعيد في أمل دنقل روح الثأر والصلابة والقوة، منحت كفر الشيخ والقاهرة أحمد سويلم الانفتاح الثقافي والاستقرار المؤسسي.
لقد نشأ دنقل في قرية "القلعة" بمركز قفط في قنا، وهذا الصعيد لم يغادر قصائده أبدًا، فثقافة الثأر استمدها من بيئته الصعيدية، وكذا مفهوم "الدم الذي لا يضيع"، وهو ما تجلى في قصيدته "لا تصالح". فالصلح في عرف الصعيد خيانة، والكلمة أمانة تُقطع دونها الرقاب.
لا تصالح على الدم .. حتى بدم!
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟
لقد انعكست جغرافيا الجبل والقسوة في ألفاظه الجزلة الحادة، وصوره الشعرية التي لا تعرف الميوعة والاستسلام، حتى بعد انتقاله للقاهرة، ظل يعيش كـ "غريب" أو "متصعلك" مثقف، يرفض المناصب والجوائز الرسمية، مفضلاً حياة المقاهي والمواجهة، مما جعله يعيش ويموت "فقيراً" ماديًّا لكنه غني بلقب "أمير الرفض".
أما نشأة أحمد سويلم في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ (بالوجه البحري) لأب يحب الشعر والتصوف، ثم استقراره في القاهرة، فقد طبع مسيرته بطابع مختلف، حيث مكَّنته بيئة القاهرة الأدبية والثقافية من الاحتكاك المباشر بالمؤسسات الثقافية، فانخرط في العمل الصحفي (دار المعارف) وكان عضوًا لسنوات طويلة في مجلس إدارة اتحاد الكتاب، ودار الأدباء ونقابة الصحفيين. وجاءت لغته أكثر مرونة وملاءمة للشعر الدرامي والمسرح الشعري والجمهور العريض. وقد انعكس استقراره الاجتماعي والمهني – على عكس دنقل - في غزارة إنتاجه وتنوعه؛ فهو لم يكتفِ بالشعر، بل كتب الكثير من الدراسات الأدبية والنقدية والبحوث الشعرية، ودخل عالم الأطفال والدراما الإذاعية والتلفزيونية.
وقد حظي سويلم بتقدير مؤسسات الدولة، فنال جوائز الدولة التشجيعية (1989) والتقديرية (2016) وجائزة كفافيس (1992)، مما يعكس تصالحه مع المحيط الثقافي الرسمي وقدرته على التأثير من داخل المنظومة الثقافية.
ونخلص إلى أن أمل دنقل نقل "وجع الصعيد" وصدامه إلى قلب العاصمة، وظل متمردًا حتى في فراش موته بـ "الغرفة رقم 8" بمعهد الأورام، بينما استثمر أحمد سويلم أجواء المدينة وثقافتها المتنوعة لبناء مشروع أدبي متكامل يجمع بين الشعر والبحث والتربية والتقدير الرسمي من داخل وزارة الثقافة وهيئاتها المختلفة.