الحرب على إيران تربك الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد
واشنطن - تتزايد التداعيات الاقتصادية للحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مع اتساع تأثيرها ليشمل قطاع الأعمال العالمي وسلاسل التوريد والطاقة والتجارة الدولية، فقد بدأت الشركات في مختلف القارات تشعر بارتدادات الصراع، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل طرق الشحن الحيوية وتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تضغط على الاقتصاد العالمي.
وأدى اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط إلى شلل كبير في حركة النقل الجوي والبحري في المنطقة، خصوصا بعد أن ردت إيران على الهجمات الأميركية والإسرائيلية بضربات بطائرات مسيرة. ونتيجة لذلك، تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المستهلك عالميا، إلى مستويات قريبة من التوقف الكامل، كما تعطلت خطوط الطيران في عدد من المسارات الجوية الأكثر ازدحاما في الخليج.
وهذا الاضطراب في طرق التجارة الحيوية انعكس مباشرة على الشركات العالمية التي تعتمد على تدفق مستقر للمواد الخام والسلع الوسيطة. ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز، تواجه الشركات ضغوطا متزايدة على تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي يهدد هوامش أرباحها ويثير قلق المستثمرين وصناع السياسات من عودة التضخم إلى الواجهة.
وقال يونغ ليو رئيس مجلس إدارة شركة فوكسكون، أكبر شركة لتصنيع الإلكترونيات في العالم وشريك رئيسي لشركة إنفيديا، إن استمرار هذه التداعيات لفترة طويلة سيجعل تأثيرها ملموسا على جميع الشركات حول العالم.
ويأتي هذا التطور في وقت كانت فيه الشركات أصلا تواجه ضغوطا بسبب الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أدت إلى فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات، ما تسبب في ارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب سلاسل التوريد العالمية وتراجع ثقة المستهلكين.
وفي الولايات المتحدة، يشكل الارتفاع السريع في أسعار الوقود عبئا إضافيا على المستهلكين، إذ ارتفع متوسط سعر غالون البنزين إلى 3.32 دولار مقارنة مع 2.98 دولار قبل أسبوع فقط. كما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 90 دولارا للبرميل، وهو مستوى مرتفع وإن كان لا يزال دون الذروة التي بلغتها الأسعار بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
ويؤكد خبراء الصناعة أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية. وقال سيمون هانت الرئيس التنفيذي لشركة كامباري الإيطالية لصناعة المشروبات إن أي ارتفاع في أسعار النفط أو الغاز يخلق تأثيرا متسلسلا يطال كل شركة تقريبا.
وفي أوروبا، تبدو التداعيات أكثر حساسية، إذ لا تزال القارة تتعافى من أزمة الطاقة التي شهدتها عام 2022. وتشير تقديرات المعهد الاقتصادي الألماني إلى أن وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بنسبة تصل إلى 0.6 بالمئة خلال العامين المقبلين، بما يعادل خسارة اقتصادية تقدر بنحو 40 مليار يورو.
كما تواجه الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والسيارات، ضغوطا متزايدة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الغاز، الذي قفز بنحو 80 بالمئة في السوق الفورية خلال الأيام الماضية. وقد دفعت هذه الزيادة بعض الشركات إلى خفض استهلاك الطاقة أو تعليق جزء من عمليات الإنتاج مؤقتا.
وامتدت آثار الأزمة أيضا إلى قطاع الطيران العالمي، إذ تعرضت أسهم شركات الطيران لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب حركة السفر. وحذرت شركة ويز إير الأوروبية منخفضة التكلفة من أن الحرب قد تقلص صافي أرباحها للسنة المالية 2026 بنحو 50 مليون يورو.
وفي قطاع الصناعات الثقيلة، أدى اضطراب حركة الشحن البحري إلى التأثير على إمدادات مواد أساسية مثل الكبريت والألمنيوم، فقد أعلنت شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) حالة القوة القاهرة بعد تعذر نقل الشحنات عبر مضيق هرمز، في حين بدأ مصهر تابع لشركة قطر للألمنيوم في إغلاق عملياته مؤقتا. وتمثل منطقة الخليج نحو ثمانية بالمئة من إمدادات الألمنيوم العالمية.
كما حذرت كوريا الجنوبية من احتمال تعطل إمدادات الهيليوم القادمة من الشرق الأوسط، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات ولا يوجد له بديل عملي، ما قد يؤثر على صناعة الرقائق الإلكترونية العالمية.
وتصاعدت المخاوف أيضا في قطاع التكنولوجيا بعد تعرض عدد من مراكز البيانات التابعة لشركة أمازون في الإمارات والبحرين لأضرار نتيجة هجمات بطائرات مسيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن أمن البنية التحتية الرقمية وسلاسل التوريد التكنولوجية في المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، حذر بنك مورغان ستانلي من أن استمرار صدمة الطاقة لفترة طويلة قد يفرض على الاقتصاد العالمي وضع خطط لمواجهة ركود محتمل، بينما أشار محللو غولدمان ساكس إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل قد يخفض معدل النمو العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية.
ويجمع الخبراء على أن العامل الحاسم سيظل مدة الصراع، فإذا استمر التصعيد لأسابيع أو أشهر، فمن المرجح أن تتدهور توقعات أرباح الشركات وأن يتعرض الاقتصاد العالمي لمزيد من الضغوط، في وقت تعود فيه الطاقة مرة أخرى إلى صدارة المخاطر الاقتصادية العالمية.