الحكواتي يحمل إلى ليالي حراء الرمضانية عبق التراث
الرياض – تعود شخصية الحكواتي لتبرز في ليالي رمضان بالسعودية، حاملةً معها عبق التراث وروح المجالس القديمة، إذ أحيا حي حراء الثقافي هذا الفن العريق ضمن فعاليات "ليالي حراء الرمضانية"، في أجواء نابضة بالحياة شهدت حضورًا لافتًا من الزوار والأسر والأطفال.
وفي مشهد يجمع بين الأصالة والتجديد، ويعيد إحياء فن السرد الشعبي الذي شكّل جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية العربية. وأعادت الأمسية إلى الواجهة أحد أبرز أشكال التراث الشفهي العربي، من خلال تقديم باقة من القصص المستلهمة من الموروث الشعبي والحكايات التاريخية ذات القيم الإنسانية، بأسلوب تفاعلي شدّ انتباه الحضور، واستحضر أجواء المجالس القديمة التي كان فيها السرد وسيلة للمعرفة والترفيه وتعزيز القيم.
وتُعد فعالية "الحكواتي" أحد فنون السرد الشعبي التي شكّلت عبر العصور نافذة للمعرفة ومصدرًا للإمتاع، وتكمن أهميته في كونه وسيلة للحفاظ على التراث غير المادي، ونقله من جيل إلى آخر. ففي زمن تهيمن فيه الشاشات الرقمية، تأتي جلسات السرد كبديل إنساني حي، يعيد الدفء إلى المجالس العائلية ويشجع الأطفال على الاستماع والتخيل.
كما تسهم هذه الفعاليات في تنشيط السياحة الداخلية خلال رمضان، إذ يقصدها الزوار والمقيمون على حد سواء للاستمتاع بتجربة ثقافية متكاملة تجمع بين الفنون الشعبية والمأكولات التقليدية والأسواق التراثية.
وتأتي الفعالية ضمن البرنامج الثقافي المتنوع الذي يقدمه الحي خلال شهر رمضان، بهدف إثراء التجربة الثقافية لزوار مكة المكرمة، وتعزيز حضور الفنون التراثية في المشهد الثقافي المعاصر، بما يسهم في ربط الأجيال الجديدة بموروثهم الثقافي بأساليب إبداعية جاذبة.
وشهدت الأمسية تفاعلًا واسعًا من الأطفال الذين شاركوا في بعض مجريات السرد، في تجربة تعليمية وترفيهية عززت مهارات الاستماع والتخيّل، وأسهمت في تنمية الحس اللغوي لديهم، فيما عبّر عدد من الزوار عن إعجابهم بالمحتوى المقدم، مؤكدين أهمية إحياء هذا الفن الأصيل ضمن الفعاليات الرمضانية.
وتتضمن "ليالي حراء الرمضانية" سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، في إطار سعي حي حراء الثقافي إلى تقديم تجربة متكاملة تجمع الأصالة والمعاصرة، وتعكس مكانة مكة المكرمة بصفتها وجهة ثقافية إلى جانب مكانتها الدينية.
ولم تعد فعالية الحكواتي مقتصرة على الشكل التقليدي، بل شهدت تطويراً ليتناسب مع ذائقة الجيل الجديد. فبعض الفعاليات توظف تقنيات الصوت والإضاءة والمؤثرات البصرية، بل وحتى العروض المسرحية المصغّرة، لتقديم الحكاية بأسلوب عصري دون فقدان روحها التراثية.
كما أصبح الحكواتي جزءاً من برامج المهرجانات الكبرى مثل موسم الرياض، حيث يتم إدماجه ضمن فعاليات ثقافية تهدف إلى إبراز الفنون الشعبية وتعزيز الهوية الوطنية، انسجاماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تولي اهتماماً خاصاً بالقطاع الثقافي.
ويبقى رمضان في السعودية موسماً استثنائياً للحكاية، حيث تتلاقى الروحانية مع التراث، ويصبح الحكواتي جسراً بين الماضي والحاضر.
ففي كل ليلة، ومع هدوء السمر، تتجدد الحكاية ويتجدد معها شغف الجمهور بسماع قصة تُروى كما كانت تُروى قديماً، ولكن بروح معاصرة تنبض بالحياة.